المصنع الإلهي المذهل
تأملات في جسد الإنسان - رحلة اللقمة
ويشرح لصديقه بعنجهية وثقة مَن قد أحاط بالوجود علمًا، وكأن الحقيقة كلها صارت في جيبه الصغير.
وفي نفس هذه اللحظة، كانت هناك قصة كبيرة تحدث غير دارٍ عنها شيئًا..
قبل أن تمتد يده إلى الطعام، كانت العين قد بدأت الحكاية.
انعكست من طبق الحلوى موجات دقيقة من الضوء، تحملها فوتونات لا تُرى، لتبدأ رحلتها العجيبة إلى العين. دخل الضوء أولًا عبر بوابة دقيقة محكمة، تكسر الضوء وتعيد توجيهه في مسارات منظمة متناغمة، كانت هذه هي القرنية، تلك العدسة الحية الأولى في هذا الجهاز المذهل.
ثم مضت حزم الضوء بعد انكساراتها وتنظيمها لتتجه ناحية الحدقة، قدرت الحدقة كمية الضوء وكثافته ثم بدأت تضبط درجة اتساعها لتناسب تماما، كأنها حارس يقظ يعرف متى يفتح الباب ومتى يضيقه. بعد ذلك وصلت الأشعة إلى العدسة البلورية، فغيّرت انحناءها بدقة مدهشة، حتى تضبط بؤرة الصورة في موضعها الصحيح؛ لا قبل بمليمترات، ولا بعد بمليمترات، بل على مكان محدد بدقة لتضبط علي جدار الشبكية بالتمام.
ومع ذلك، حدث كل شيء. سقطت الصورة مقلوبة على الشبكية، لكن الدماغ لم يتركها كما وصلت. وهناك، في ذلك النسيج الرقيق الممتد في قاع العين، كانت ملايين المستقبلات الضوئية تعمل في صمت. خلايا تلتقط الضوء الخافت. وخلايا تميز الألوان. وخلايا ترصد التفاصيل الدقيقة.
وفي لحظة خاطفة، تحوّل الضوء القادم من الخارج إلى إشارات عصبية، تحملها ألياف العصب البصري في طريقها إلى الدماغ.
ومع ذلك رأى. رأى الطبق. ورأى اللون. وقدّر المسافة. ووجّه يده. وأمسك اللقمة. كل ذلك تم في لحظات، وهو يتعامل معه كأنه أمر عادي لا يستحق التوقف.
في نفس اللحظة، كانت هناك رحلة أخري لا تقل عظمة عن رحلة الضوء تلك، تحدث في الأنف، كان هناك جزيئات دقيقة صاعدة من الطعام، محملة بمواد كيميائية دقيقة للغاية، تتجه إلى تجويف الأنف، لتلمس مستقبلات شمية بالغة الحساسية، ثم تتحول إلى إشارات عصبية تصعد إلى معامل متخصصة للتحليل في الدماغ.
ومع ذلك فعلت. رائحة واحدة أيقظت الشهية، واستدعت الذاكرة، ونبّهت الفم، وبدأ اللعاب يسيل قبل أن تصل اللقمة أصلًا إلى الأسنان.
وفي الخلف، كان المخ يعمل كمدينة كاملة لا تنام. ملايين الخلايا العصبية تتبادل الإشارات في لحظات خاطفة. إشارات كهربية وكيميائية تعبر بين الخلايا، من مركز الرؤية إلى مركز الحركة، ومن مركز الشم إلى الذاكرة، ومن مناطق الإحساس إلى مناطق القرار، ومن الدماغ إلى عضلات اليد والفك واللسان والبلعوم.
ومع ذلك كان يتكلم ويأكل ويتنفس ولا يختنق. ثم دخلت قطعة الحلوي فمه. وهنا لم تكن الأسنان أحجارًا بيضاء مصطفة في فم إنسان. كانت أدوات متخصصة، لكل منها وظيفة. القواطع في الأمام تقطع. والأنياب تمسك وتمزق. والضواحك تمهد الطحن. والأضراس تسحق وتطحن وتحوّل الطعام إلى كتلة قابلة للبلع.
ومع ذلك حدث كل ذلك في إيقاع واحد. وكان اللسان يتحرك بين الأسنان كقائد ميداني بارع، يدفع الطعام إلى موضع الطحن، ويسحبه من الجوانب، ويختبر حرارته، ويمزجه باللعاب، ثم يجمعه في كتلة واحدة مهيأة للعبور.
ومع ذلك فعل. وفي اللحظة نفسها، كانت الغدد اللعابية تفرز لعابًا محسوبًا، ليس ماءً فقط، بل سائلًا يحمل إنزيمات تبدأ هضم النشويات، ومواد تساعد على تزليق الطعام، ومركبات تحفظ رطوبة الفم وتحمي أنسجته.
ومع ذلك سال اللعاب في موعده. ثم جاءت أخطر لحظة في الرحلة كلها: لحظة البلع. إنها لحظة عابرة لا يشعر بها الإنسان، لكنها في الحقيقة عملية منسقة بدقة مذهلة. فالطعام يجب أن يذهب إلى المريء، والهواء يجب أن يبقى في القصبة الهوائية، والطريقان متجاوران، والخطأ بينهما قد يكون قاتلًا.
الطوارئ تعلن الآن.. ارتفع الجزء الخلفي اللين من سقف الفم ليغلق الطريق إلى الأنف، وتراجع اللسان ليتمكن من دفع الطعام الممضوغ إلى الخلف، وانقبضت عضلات البلعوم في ترتيب محسوب. وارتفعت الحنجرة قليلًا. وانحنى لسان المزمار ليغطي مدخل القصبة الهوائية. وانفتح الطريق ممهدا إلى المريء.
ومع ذلك عَبَر الطعام.
لقمة واحدة لو دخلت طريق النفس بدل طريق الطعام لقطعت استرسال حديثه الواثق، وأظهرت له فجأة كم هو هش أمام خطأ صغير في نظام كان يظنه عاديًا.
مضت اللقمة في المريء بحركة دودية منظمة؛ انقباض خلفها وارتخاء أمامها، كأن الطريق نفسه يدفعها برفق إلى وجهتها. حتى إذا وصلت إلى أسفل المريء، انفتح الصمام الفاصل بينها وبين المعدة، ثم أغلق بعدها حتى لا تعود أحماض المعدة إلى الأعلى.
ومع ذلك وصلت اللقمة. ثم دخلت المعدة، فلم تجد كيسًا ساكنًا، بل وجدت معملًا كيميائيًا وعضليًا في آن واحد. جدار ينقبض ويعجن، وعصارات تفرز، وحمض قوي، وإنزيمات تفكك الطعام، وطبقة مخاطية تحمي المعدة من أن تهضم نفسها.
ومع ذلك بدأ الهضم. ثم أرسلت المعدة الطعام شيئًا فشيئًا إلى الاثني عشر. وهناك أرسل البنكرياس إنزيماته، وأرسلت المرارة الصفراء التي صنعها الكبد، وبدأت مرحلة جديدة من التفكيك والفرز والامتصاص.
ومع ذلك تعاون الجميع. وفي الأمعاء الدقيقة، امتدت الزغابات المعوية كغابة لا تُرى، تزيد مساحة الامتصاص، وتلتقط الغذاء المحلل: سكريات، وأحماضًا أمينية، وأحماضًا دهنية، وأملاحًا، وفيتامينات. ثم سلّمت كل مادة إلى طريقها: شيء إلى الدم، وشيء إلى اللمف، وشيء إلى الكبد، وشيء إلى الخلايا.
ومع ذلك أخذت الخلايا نصيبها. كان فقط يأكل ويتكلم. ثم ابتلع القطعة الأخيرة من الحلوي، ومسح فمه في برود، وقال لصديقه بعنجهية عقل أعمي ولا يدري أنه أعمي: لم أجد دليلا واحدا قاطعا يقودني للتسليم بوجود الله. وكانت الأعضاء مشغولة بالعمل، لا وقت لديها للجدال معه.
ألف دليل جرى الآن فيه. ألف آية تحركت في جسده. أعضاء رتبت بحكمة، ووظائف مذهلة تؤدَّى في صمت، ونظام لو اختلّ منه تفصيل صغير لعرف الإنسان قدر النعمة التي كان يبتلعها غافلًا.
﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، من أي شيء خلقه، من نطفة خلقه فقدره، ثم السبيل يسره﴾
لكن للأسف لم تصل قلبه الرسالة..
