نجونا من الغرق لكن !! — أيمن السكري
أدب

نجونا من الغرق لكن !!

7 دقائق قراءة
نجونا من الغرق لكن !!
النجاة من الطوفان - د. أيمن السكري

النجاة من الطوفان

مقال بقلم د. أيمن السكري

نحن الذين نجونا من الطوفان ،
سيُخيفُنا الماءُ إلى الأبد ...

مقولة رائعة -لا أعلم قائلها- لكنها ذات ظلال كثيفة .. .. خلاصتها، لا تستهن بأثر التجربة حتي لو نجوت .. التجربة لا تموت، وإنما تبقي فينا، تسكننا بذكريات واعية وغير واعية، تشكل ملامحنا القادمة، تصيغ مشاعرنا، تلقي علي أعيننا غطاء شفافا نري الحياة من ورائه ما بقينا تترك علي جدران الروح ندوبا لا يروح أثرها.. باختصار نحن بعدها مختلفون كل الاختلاف عن نحن قبلها ..

التجربة قد تكون شخصية جدا... برحيل حبيب .. بانفصال مؤلم عن شريك العمر .. بخيبة أمل كبير في ولد .. بخسارة مادية أو معنوية كبيرة .. وقد تكون عامة ... بانهيار حلم كنت تراهن عليه أمام عينيك .. بقسوة وعنف وألم تحيطك تفوق قدرتك علي الاحتمال ..

جاءنا خبر وفاة والدي -رحمة الله عليه- في مكالمة هاتفية خارجية "ترنك" برنته الطويلة المميزة، ظللت بعدها سنوات لا أطيق سماع صوت الترنك هذا وتصيبني الاتصالات المفاجئة -حتي اليوم- بتوتر لا تفسير له سوي ذكري الطوفان الماثلة في ذهني، وللأسف ومما عززها عندي أن وفاة والدتي -رحمها الله- جاءتني هي الأخري في مكالمة عابرة للقارات ..

التجربة آتية آتية شئنا ذلك أم أبينا، فهي من لوازم الحياة الدنيا التي جبلت علي كدر .. الأخطر من التجربة، تعاطينا نحن معها ...

قد تنضج وتقوي .. وقد تنطفأ وتموت .. قد تنكفئ علي ذاتك وتنغلق .. وقد تنطلق وتتحرر .. كل شيئ وارد، بحسب التجربة، وقوتها ثم حسب تعاطيك معها ..

وللأسف، نحن بشكل عام لسنا ناضجين بالشكل الكافي للتعاطي مع التجارب، ولدينا حالة إنكار جماعية لمعاناتنا، وطبيعي أن نتكبر عن طلب العون، بالرغم من أن قلوبنا تنزف كل ليلة ونفوسنا في أقصي حالاتها هشاشة ..

وللاسف كذلك لم نكن ناضجين بالشكل الكافي الذي يجعلنا ندرك أن الحياة بهذه القسوة، فرفعنا سقف توقعاتنا من الدنيا، ومن قدرتنا علي التغيير غير مدركين ان الكثير من امور الحياة خارجة بطبيعتها عن السيطرة، وغير مدركين أنه كلما ارتفع سقف التوقعات اكثر كلما كان وجع السقوط أكبر ..

ولم نكن ناضجين كذلك بشأن انفسنا لندرك كم هي هشة أرواحنا وكأنها خلقت من زجاج رقيق، الكلمة تؤذيها والنظرة تجرحها فما بالك بما هو أكبر من ذلك ..

التعاطي مع التجارب يحتاج تربية وممارسة وتعود منذ الصغر ، وهو ما افتقدناه للاسف ونجحت دول اخري وثقافات اخري في التربية عليه واكتسابه والنجاح فيه ..

في الحديث : قال رجل سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس».. فقال عمرو بن العاص، رضى الله عنه، أما لئن قلت ذلك إن فيهم خصالا ً أربعا: «إنهم لأحلم الناس عند فتنة.. وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة.. وأوشكهم كرة بعد فرة.. وأرحمهم لمسكين ويتيم وضعيف.. وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك».

والحديث مرجع ومعلم ان من تمام النضج والصحة النفسية، القدرة علي تجاوز الأزمة، والانتفاع بالتجربة، والتعافي من الصدمة اسرع ما يكون .. أحلم الناس عند الأزمات فلا تذهب عقولهم، ولا يطيش فكرهم، أو يفقدون اتزانهم .. وأسرعهم افاقة بعد مصيبة، لا يستسلمون للتجربة، ولا يبقون طويلا في خانة الصدمة وحالة الانكار والانكفاء والغضب ..

الطفل الذي قطع طريق العودة من الشاطئ يبكي حزنا علي صدفته الملونة التي فقدها، لا يدرك عشرات الصدفات الملونة التي داس عليها دون أن ينتبه لها بسبب بكائه .. للأسف نحن لا نختلف عن هذا الطفل كثيرا ... برغم اعمارنا فلازلنا نحتاج يدا حانية تربت علينا وتهمس لارواحنا ..

لا بأس، امض في طريقك ببعض الألم وبعض الفقد وبعض الحنين، ابق قويا وواجه فالذي يخالط ويصبر خير من هذا الذي ينعزل ويذوب .. استجمع شجاعتك وحدق النظر في عيني تجربتك وستندهش حينما تري لها وجها آخر غير الذي ظننته دائما ، وجها آخر أكثر طيبة علي الأرجح وله جوانب خير لم تكن بادية في الوهلة الاولي..

من كلمات الرائع الراحل علي عزت بيجوفيتش في كتابه هروبي إلي الحرية: "لولا الليل لكنا عاجزين عن رؤية السماء ذات النجوم، وهكذا يجردنا الضوء من بعض الرؤية، في حين أن العتمة والظلام يساعداننا على أن نرى شيئا".

وهكذا دوما للمحنة وجه آخر كله رحمة .. وللشدة يد حانية لا يعرفها إلا من رزقه الله فهمها..

© 2026 - جميع الحقوق محفوظة لـ د. أيمن السكري

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

Rejoining the server...

Rejoin failed... trying again in seconds.

Failed to rejoin.
Please retry or reload the page.

The session has been paused by the server.

Failed to resume the session.
Please retry or reload the page.