في انتظار جودو
خواطر وتأملات في الحياة
ونحن مشغولون بانتظار وهم أن تبدأ الحياة.
في الرواية المسرحية “في انتظار جودو” لصمويل بيكيت يلتقي رجلان عند شجرة ويقضيان يومهما واقفين ينتظران وصول رجل يُدعى جودو. لا نعلم من هو، لكن حديثهما يوحي بأن مجيئه سيغير حياتهما تمامًا، وأنه سيأتي حتمًا. تمضي ساعات يومهما ثم الأيام التالية، وليس لهما من عمل سوى انتظار جودو… الذي لا يصل أبدًا.
ربما كان أكثر ما أراد الكاتب قوله في هذه المسرحية أن الإنسان قد يقضي عمره كله منتظرًا حدثًا كبيرًا يظن أنه سيغير حياته وتبدأ عنده حياته الحقيقية.
أتذكر منذ سنوات طويلة حينما أكرمني الله بالحج وانا أجلس على باب خيمتي في منى وأقول لصديقي ممازحًا:
- أنا عايز أروح الحج بقى..
فيجيبني ضاحكًا:
- يا بني أومال إحنا في إيه دلوقتي؟!
أقول:
- لا… أنا عايز الحج اللي فيه حجاج بتلبي طول الوقت بشكل جماعي، ورافعين أيديهم بالدعاء وبيبكوا.
فيقول ضاحكًا:
- خلاص… روح حج في التليفزيون.
خيالاتك تخبرك أن الأمر ينبغي أن يكون عظيمًا ملحميًا، ويصاحبك شعور مؤلم أن الأمر الكبير يفوتك حتمًا. لا بد أن هناك مكانًا تتحقق فيه هذه الصورة المثالية، وحتما هناك مني أخرى يلبي فيها الحجاج بشكل جماعي كجوقة ملائكية، ولا يفعلون شيئًا سوى الصلاة والدعاء طوال الوقت، وبالتأكيد حجهم غير حجنا هذا.
تولستوي عبّر عن ذلك في ملحمته الحرب والسلام على لسان أحد الجنود الروس الذين ذهبوا لحرب فرنسا، وصوّر كيف كان يتخيل المعركة كما يسمع عنها من الآخرين. ولما ذهب لم يجد شيئًا من كل هذا. بل إنه لم يصادف حتى ظل جندي فرنسي. فقط أصوات انفجارات وطلقات تبتعد عنهم أو تقترب بين الفينة والأخرى. فترسّخ في يقينه أن المعركة لا بد وحتماً تجري في مكان آخر، وأن حظه أوقعه في مكان لا حرب فيه ولا عدو.
حتى جاءت قذيفة واقتلعت خيمة بجواره، ومات من مات وأصيب الباقون. وصار عنده الآن قصة ستشغل مجالسه المستقبلية ويحكيها لاحقا مرارا عن الحرب الشرسة التي خاضها. وسيحاول أن يجعلها أكثر تشويقًا. وبالطبع لن يخبر أحدًا أنه في الحقيقة لم ير العدو أصلًا، ولم يشتبك مع أحد بسلاح.
خيال السمكة صوّر لها المحيط شيئًا عظيمًا خرافيًا يختلف عن كل ما تعرفه. ولما وصلت إليه دخلت في حالة إنكار، حتى صارت لا تصدق أن هذا الذي تسبح فيه هو المحيط. تخيّل أن هذا الشعور يلازمنا جميعًا بدرجات.
نحدث أنفسنا كما قالت السمكة: “بس دي مجرد مية… أنا بحاول أوصل للمحيط!” ننتظر الوصول للحياة لنبدأ في فعل ما نريد، ونعيش يومنا الذي نطمح إليه. فنقول لأنفسنا: هذه مجرد أيام وساعات وليالٍ عادية… أنا أحاول الوصول للحياة التي بجد.
المشكلة أن ساعتنا الرملية تتناقص بسرعة مذهلة، ونحن لا نزال نعتقد أن حياتنا الحقيقية لم تبدأ بعد. أحد أسرار السعادة هو الخروج من حالة الإنكار تلك، وأن تدرك أن هذه الأيام والساعات الروتينية هي عمرك وحياتك. وأن تبدأ فورًا التصرف بناءً على ذلك.
يا عزيزي…
هذه ليست مياه عادية هذا هو المحيط، وهذه ليست مجرد أيام عادية هذه هي حياتك.
فلا تراهن على تغيير عظيم سيحدث في حياتك، فعلى الأغلب لن يحدث شيء.
فإذا لم تكن أيامك على الشكل المرضي لك، كن شجاعًا وأدخل التغيير الذي تريده فورًا إليها.
وعِش التغيير الذي تتمناه… والذي طال انتظارك له… اليوم.
