إني رُزِقْتُ حُبَّها
عن الحب.. وأشياء أُخَر
استيقظ رسول الله صلوات ربي عليه من نومه ذات مرة علي بشارة سرته ولما سئل قال : رأيت خديجة .. بعد غزوة بدر بعث أهلُ مكةَ في فداءِ أسراهم، وكان أحدهم أبي العاصِ بنِ أبي الربيعِ زوج زينب بنت رسول الله من خديجة..
بعثتْ زينبُ فداءَ زوجها بمالٍ وبعثتْ فيهِ بقلادةٍ لها ورثتها من أمها خديجةَ أهدتها إياها يوم زواجها من أبي العاصِ .. فلمَّا رأي رسولُ اللهِ القلادة عرفها وعرف لمن هي فتأثر ورقَّ لذلك رِقَّةً شديدةً وقال :
شق عليه أن تضيع قلادة تذكره بخديجة.
ابتسامة تنبت علي شفتي، ونبضة مختلفة بقلبي صرت أميزها جيدا كلما قرأت أو سمعت حديث النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن خديجة رضوان الله عليها.. وكأن سحابة وردية من الحب تظلل تلك الروايات، وسرعان ما تتسلل تلك السحابة من بين سطور النص لتحلق فوق القارئ وتشمله بظلها ..
من هي خديجة، تلك التي يسر النبي صلوات ربي عليه إذا التقاها حتي لو كان مناما، ويهتز قلبه وتدمع عيناه إذا رأي ما يذكره بها ؟ إنها "الطاهرة" كما كانت تعرف في قومها قبل الإسلام .. وسابِقةٌ نساءَ العالمينَ إلى الإيمانِ باللَّهِ وبمحمَّد (السيوطي).
خديجة رضوان ربي عليها .. حالة خاصة في تاريخ الإسلام والبشرية ..
ليست نبية هي لكنها تحتل أعلي منزلة يمكن أن تصلها امرأة ...
حاولت أن أفكر أي امرأة في التاريخ يمكن أن تقف بجوارها خديجة ، لا لعقد مقارنة وإنما لنعرف قدرها .. فلم أجد أقرب من مريم ابنة عمران.. فكلتاهما ائتمنتا علي رسالة السماء .. مريم كان لها شرف احتضان نبي الله وكلمته المسيح عيسي، وخديجة كان لها شرف احتضان خاتم الرسل محمد صلوات الله عليهم جميعا تتري ..
مريم كلمها جبريل مشافهة، فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ، ونقل لها بشارة من الله في عليائه .. يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ..
وخديجة كلمها جبريل -من خلال رسول الله محمد صلوات ربي عليه- ونقل لها سلام الله في عليائه .. جاء جِبْريلُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم وعنده خَديجةُ، وقال: إنَّ اللهَ يُقرِئُ خديجةَ السَّلامَ، ونقل لها بشارة غالية من الله ...
هذه هي الطيبة الصدّيقة خديجة .. تأتي في سياق واحد مع مريم بنت عمران .. فيالها من مكانة .. للأسف الشديد، فعدد الروايات التي تحكي تفاصيل تلك الفترة من عمر الرسالة لا تروي ظمأ الباحث ولا تشبع فضوله، لكن تعالوا لنعيش بعضها في السطور التالية..
وراء كل رجل عظيم امرأة، امرأة عظيمة بلا شك عظمة تليق برجلها ومهمته.. مؤيدة .. داعمة .. محتوية لزوجها .. معينة له علي انجاح رسالته .. لن تصدق هذه المقولة علي احد مثلما تصدق علي خديجة رضوان ربي عليها.. ويكفي أن اختارها الله بحكمته وعلمه لتؤدي هذا الدور في حياة الرسالة والرسول ..
لحظة الخوف الشديد من اللحظات الكاشفة لأي انسان، كاشفة لخباياه وطبيعته وقيمه بلا تكلف.. كاشفة لما يحب ويكره ويعتقد ويريد بلا رتوش... زارت تلك اللحظة المهيبة رسولنا -صلوات ربي عليه- حينما كان يختلي كعادته بغار حراء ..
يقول النبي صلوات ربي عليه: نزَلْتُ فاستبطَنْتُ الواديَ فنوديتُ، فنظَرْتُ أمامي وخلفي وعن يميني وعن شِمالي فلم أرَ شيئًا. فنوديتُ، فنظَرْتُ فوقي فإذا أنا به قاعدٌ على عرشٍ بينَ السَّماءِ والأرضِ فأخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ، فأتَيْتُ خَدِيجَةَ ..
يهرول رسول الله فزعا من عظم ما رأي، وأسرع يقصد خديجة .. حيث كانت أول من جاء الي خاطره، وأول باب قصده بلا تردد.. في هذا الوقت كان للرسول اصدقاء مقربون من ذوي العقل والمشورة.. واعمام محبون هم سادة الرأي في قومهم .. لكنه اختار ان يعود مسرعا اليها هي .. خديجة ..
يقول د. جاري ميللر في كتابه The Amazing Quran:
يصعب العثور على من يقول: "لقد كنت خائفاً لدرجة أنني أسرعت إلى زوجتي"
محمد فعل ذلك.. يوم جاءه جبريل! لابد أنها كانت امرأة عظيمة ..
ما فعلته خديجة حينها يكشف لنا جزءا كبير من شخصيتها الداعمة الحصيفة .. وقبل ذلك يكشف جزءا من شخصية الزوجة المحبة القادرة علي احتواء زوجها المهتمة لأمره ايما اهتمام.. فأتَيْتُ خَدِيجَةَ .. فَقُلتُ: دَثِّرُونِي، وصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا..
قابلته وهو علي هذه الحالة التي لم تره عليها من قبل، خائفا حائرا مرتجفا، فدثرته وهدأت روعه، ولما راح عنه الفزع جلست تسمع منه وهي الاريبة العاقلة المحبة التي تعلم متي يحتاج زوجها دفقة حنان كتلك، ثم قالَتْ له: أبْشِرْ، فَو اللَّهِ، لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أبَدًا، واللَّهِ، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتُكْسِبُ المَعْدُومَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ علَى نَوائِبِ الحَقِّ..
وتعرف متي يحتاج إلي مشورتها ورأيها، فاقترحت عليه سؤال هذا الشيخ الحكيم ورَقَةَ بنَ نَوْفَلِ، وهو ابنُ عَمِّها وكانَ شيخًا كَبِيرًا قدْ عمي وترك عبادة الأوثان ، فكان نعم الرأي ونعمت المشورة .. -فَانْطَلَقَتْ به خَدِيجَةُ حتَّى أتَتْ به ورَقَةَ بنَ نَوْفَلٍ فَقالَتْ خَدِيجَةُ: يا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أخِيكَ،
لا أدري لم أتصور وكأن كاميرا هي التي تنقل المشهد هنا لا رواية، وأري الكاميرا هنا تستدير فيصبح رسول الله صلوات ربي عليه في صدارة المشهد وفي ظهره تظهر خديجة، وكأنها تراجعت خطوة للخلف بعد ان أدت دورها من الدعم والطمأنة والتثبيت علي خير وجه.
ستسمع نبوءة الشيخ الحكيم ورَقَةَ : "لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ". تعرف الآن قدْر زوجها وقدَره، وخطورة ما هو مقبل عليه، لكنها تختار أن تكون معه بكليتها وتظل واقفة في كل المشاهد التالية في نفس المكان، واقفة ثابتة في ظهر زوجها، تقدم المشورة حين يطلبها، والدعم حين يحتاجه، والحب في كل وقت ..
تسمعه وتهدئه وتذكره طوال الوقت أنه علي الطريق الصحيح ، لم يقف الدعم عند الصورة المعنوية فحسب، وإنما شمل كل أشكال الدعم الممكنة، يقول لها ذات مرة شاكيا حائرا لم يتبين له السبيل كاملا بعد: إني أسمعُ صوتًا وأرى ضوءًا وإني أخشى أنْ يكونَ بي جنونٌ قالتْ خديجةُ: لم يكُنِ اللهُ لِيَفعَلَ ذلك بكَ يا ابنَ عبدِ اللهِ ..
كان يحاورها ويسألها ويفصح لها عن مكنونات نفسه، أيْ خديجةُ واللَّهِ لا أعبدُ اللَّاتَ والعزَّى واللَّهِ لا أعبدُ أبدًا قالَ : فتقولُ خديجةُ : خلِّ اللَّاتَ خلِّ العزَّى، كانَت صنمُهُمِ الَّتي كانوا يعبُدونَ ثمَّ يضطجِعونَ.
خديجة .. حالة في غاية الخصوصية بالنسبة لرسول الله صلوات ربي عليه، استحقت بجدارة أن يختارها الله لهذا الدور حصن النبوة الداخلي، ووزيره الصادق، وساعده الأمين، واستحقت بجدارة مكانتها التي لم ينافسها فيها أحد في قلب الرسول صلي الله عليه وسلم فلمْ يَتَزَوَّجِ علَيها حتَّى مَاتَتْ، وظل بعد وفاتها ثلاث سنوات قبل ان يتزوج ..وظل وفيا لذكراها حتي لقي ربه ..
ماتت خديجة ولم يمت حبها ... تنتقل الكاميرا بشكل مفاجئ إلي الليلة العاشرة من رمضان، في السنة العاشرة للبعثة . مشهد حزين، يقطع القلب، رسول الله صلوات ربي عليه يحمل خديجة علي يديه الشريفتين وهو يبكي وينزل معها الي الحفرة حيث تدفن، وكأنه يدفن معها جزءًا من قلبه ...
ماتت الحبيبة الطيبة خديجة رضي الله عنها، ماتت بعد أن صاحبت زوجها حيث كان أحوج ما يكون لها ولحبها ولدعمها .. ماتت ولم تشهد نصرا ولا فتحا ولا انتشارا .. من قال أن درب العظماء سهل، رحلت خديجة الحبيبة والسند والمستشار، وأكمل رسول الله صلوات ربي عليه دربه، لن تبلغ النضج أبدا حتي تتعلم كيف تستمر برغم الفقد وبرغم الوجع وهكذا كان حال الرسول ..
تحكي الروايات التالية حاله، الكاميرا تروح وتجيئ بسرعة ما بين حاضر وماض لا تزال ذكرياته حية .. والله اشعر بنفس تلك السحابة الغريبة من الحب حتي في ظلال النصوص التي وردت بعد وفاتها. يظهر في المشهد الآن عائشة زوج رسول الله صلي الله عليه وسلم، تزوجها بعد وفاة خديجة، وعوضه الله بها خيرا، أحبها وأحبته وعلمت مكانتها في قلبه ولم لا وقد سمعت منه ذلك بنفسها وبلغها ما يصرح به النبي من محبتها، لما سئل مرة أي الناس أحب اليك قال عائشة في محضر من أصحابه.
لكن، مع كل ذلك رسول الله لا يتوقف عن تذكر خديجة، تعيش معه في كل تفاصيله، والمحب غير قادر علي كتم حبه ولو كان نبيا .. والمحب يحب كل ما يذكره بمحبوبه ، ومن ذلك : ما تقوله عائشة : أنَّ امرأةً أتتِ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقُرِّب إليه لحمٌ فجعل يناوِلُها قالت عائشةُ : فقلتُ : يا رسولَ اللهِ لا تُغمِرْ يدَك فقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : يا عائشةُ إنَّ هذه كانت تأتينا أيامَ خديجةَ ..
تأتينا أيام خديجة هذه أعطتها تذكرة مرور الشخصيات الهامة إلي مقصورة المحبة، يكفي أنها من رائحة الحبيب .. وتقول عائشة: ورُبَّما ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا في صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فَرُبَّما قُلتُ له: كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إلَّا خَدِيجَةُ، فيَقولُ إنَّهَا كَانَتْ، وكَانَتْ ..
اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ علَى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ فَارْتَاحَ لِذلكَ فَقالَ: اللَّهُمَّ هَالَةُ بنْتُ خُوَيْلِدٍ فَغِرْتُ. دخَلَتِ امرأةٌ سَوداءُ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأقبَلَ عليها. قالتْ: فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ، أقبَلتَ على هذه السَّوداءِ هذا الإقبالَ. فقال: إنَّها كانتْ تَدخُلُ على خَديجةَ .. وربما يستيقظ رسول الله من نومه مستبشرا فلما سئل قال، رأيتُ خديجةَ على نهرٍ منْ أنهارِ الجنةِ .. هي معه في تفاصيل يومه وحتي في نومه.
أغضبت عائشة الرسول يوما كما تحكي هي، ذكرت في وسط غضبها خَدِيجَةَ، فَقالَ: رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إنِّي قدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا. أتخيل نفسية عائشة، وهي تشهد وتسمع طوال الوقت اذهَبوا بهِ إلى فلانةَ ، فإنَّها كانَت صديقةَ خديجةَ ، اذهَبوا إلى بيتِ فلانةَ ، فإنَّها كانَت تحبُّ خديجةَ ..
والمرأة المحبة ولا استثناءات في ذلك حتي ولو كانت هذه المرأة صديقة ابنة صديق مثل عائشة بنت أبي بكر لا تعرف ولا ترضي بمركز غير الأول في قلب من تحب ، ثم تحرق بعد ذلك بقية المراكز لئلا يجاورها غيرها، ومن نافسها في ذلك عرض نفسه لمرمي نيران غيرتها حتي ولو كان رحل، أو حتي لم تره أبدا ولن تراه، فكيف بها أن امرأة أخري تسكن قلب زوجها وتزوره في أحلامه..
رضوان ربي علي امنا الصديقة بنت الصديق عائشة رضي الله عنها وعن ابيها، أشفق عليها وأبتسم وأنا أتخيل بركان الغيرة الذي لا بد له من ثورة محتمة وقد كان .. تقول عائشة فادركني ما يدرك النساء من الغيرة، وما غِرْتُ علَى أحَدٍ مِن نِسَاءِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ما غِرْتُ علَى خَدِيجَةَ، وما رَأَيْتُهَا، ولَكِنْ كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا،
فقلْتُ مرة ما أكثرَ ما تُكثِرُ مِن ذِكرِ خديجةَ وقد أخلَف اللهُ تعالى لك مِن عجوزٍ حمراءِ الشِّدْقَين وقد هلَكَتْ في دَهْرٍ فغضِب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غَضَبًا ما رأيْتُه غضِب مِثلَه قطُّ وتغَيَّرَ وَجههُ تَغيُّرًا لم أرَهُ تغَيَّرَ عِندَ شَيءٍ قَطُّ إلَّا عِندَ نُزولِ الوَحيِ، أو عِندَ المَخيلةِ، حتى يَعلَمَ: رَحمةٌ، أو عَذابٌ؟ وقال إنَّ اللهَ رزَقها منِّي ما لم يَرْزُقْ أحَدًا منكُنَّ ...
الرسالة ألا خديجة يا عائشة ..
تقول عائشة فقلْتُ يا رسولَ اللهِ اعفُ عنِّي واللهِ لا تسمَعُني أذكُرُ خديجةَ بعدَ هذا اليومِ بشيءٍ تكرَهُه ..
