رحلة موسي والخضر — أيمن السكري
أدب

رحلة موسي والخضر

5 دقائق قراءة
رحلة موسي والخضر
رحلة البحث عن الحكمة - كنوز الحياة

الكنوز والحكمة

تأملات في رحلة موسى والخضر عليهما السلام

هل رأيت من قبل كيف يستخرجون الذهب من الصخور؟
واللؤلؤ من المحار؟
والمسك من دم الغزال؟

كلها عمليات مرهقة شديدة التعقيد ... وتحتاج جهدا وصبرا لتحصل مبتغاك .. الكنوز لا تلقي بنفسها بين يديك منادية: هأنذا تفضل والتقطني أيها الطيب .. أبدا إنها تأتي متداخلة تداخل الملح في الطعام ... وكأنها تسألك: هل قدري لديك يجعلك تصبر حتي تستخرجني أيها الطيب؟

الرسالة هي: أن أجمل وأعمق وأصدق ما في الحياة لن يأتي أبدا بصورة سهلة متاحة لكل أحد .. وكنوزها تحتاج دائما وأبدا جهدا وصبرا لتظفر بها.

دعنا نقف مرة أخري مع محطات في رحلة موسي العجيبة لطلب الحكمة بصحبة الخضر وهو الرجل الصالح الخفي التقي الذي دل الله موسي عنه، (فأوْحَى اللَّهُ إلَيْ موسي: أنَّ عَبْدًا مِن عِبَادِي بمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، هو أعْلَمُ مِنْكَ) -رواه البخاري .. بالتأكيد لدي هذا الرجل الحكيم الكثير ليتعلمه موسي وكل أحد منا.

في بداية الرحلة أخبر الخضر موسي أن الحكمة عزيزة ولطلبها تكاليف شاقة قد لا يملكها كل أحد: قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿67﴾. فكيف تصبر يا موسي وتسكت على فعل سيبدو لك خطأ بينا ومنكرا عظيما لأنك لم تخبر بوجه الحكمة ولا طريق الصواب فيه -تفسير القرطبي باختصار-.

لكن تلك المقدمة لن تثني طالب علم عن الطريق بل ستستثير حماسته وتزيده رغبة واصرارا علي مواصلة السير، فأبدي موسي استعدادا لتكلفة التعلم والصبر اللازم له: قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا. فوافق الخضر بشرط ألّا يسأله موسي عن أي شيئ يراه مهما بدت غرابته ونكرانه حتى يكون الخضر هو الذي يخبره به.

بدأت الرحلة واتجه موسي مع الرجل الصالح يقصدان البحر، ولما وصلا الشاطئ طلبا مركبا يوصلهما وبحسب كتب التفاسير أن الخضر وموسى - عليه السلام - لم يجدا سفينة لما جاءا إلى الساحل وانتظرا طويلا هناك حتي جاءت هذه السفينة وكانت جديدة وثيقة لم يمر هما أبهي ولا أجمل منها عرفا أنها مملوكة لشباب طيبين معروفين بحسن الطباع فرحبوا بهما وحملوهما معهما من غير أجرة ... وأحسنوا إليهما طوال الرحلة .. حتي وصلوا إلى جزيرة، ونزل أهل السفينة، وهنا رأي موسي أول الأعاجيب إذ رأي الخضر يتأخر قليلا لتخلو له السفينة بمنأي عن أعين أصحابها، وشرع الخضر ينزع بعض ألواح السفينة ويكسرها ليصنع بها خرقا واضحا قد تتعرض للغرق بسببه.

عندها لم يُطِق موسى هذا الأمر، وكبُرت هذه المسألة في نفسه فسأل مستنكرا: قَالَ أَخَرَقْتهَا لِتُغْرِق أَهْلهَا لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا، والإمر الشيئ الداهية العظيم .. نسى موسى ما أخذه على نفسه من طاعة العبد الصالح وعدم عصيانه والصبر على ما يرى من تصرفاته وعدم سؤاله مهما بدا الأمر غريبا.

لم يجبه المعلم الصالح، وأعاد تأكيد القاعدة وشرط المصاحبة من جديد: قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴿72﴾. اعتذر موسي وعاد للمتابعة بصمت، لكن ياتري أية خواطر راودت موسي عليه السلام وأي ظنون جالت بعقله ناحية هذا الرجل الصالح الغريب، في رواية عن ابن عباس: (لما خرق الخضر السفينة تنحى موسى ناحية، وقال في نفسه : ما كنت أصنع بمصاحبة هذا الرجل كنت في بني إسرائيل أتلو كتاب الله عليهم غدوة وعشية فيطيعوني) - تفسير القرطبي.

لم يحن أوان تفسير الفعل الغريب بعد من قبل الخضر لكنه أعطي إشارة لموسي عليه السلام واللبيب يفهم الإشارات...

جاءَ عُصفورٌ فوَقعَ على حرْفِ السفينةِ فنَقَرَ نقْرَةً أو نَقْرتيْنِ في البحرِ، فقال الخضِرُ: يا مُوسَى ما نَقَصَ عِلْمِي وعلِمُكَ من عِلمِ اللهِ إلَّا كنَقْرَةِ هذا العُصفورِ في هذا البحْرِ !

تستمر الرحلة العجيبة ليمر موسي بموقف أصعب بكثير من سابقه، وهو موقف الرجل الصالح مع الغلام .. (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ).

صدمة جعلت موسي يشتاط غضباً ويخالف تعهده الذي قطعه للرجل ويصرخ فيه مستنكرا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ... أي منكرا عظيم الفساد وَالنُّكْر أَشَدّ مِنْ الْإِمْر .. وهل يمكن أن يسكت نبي عن قتل طفل بهذه البراءة بلا ذنب جناه؟ وهنا ينظر اليه الخضر مذكرا إياه بالاتفاق المعقود بينهما: قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً ﴿75﴾.

بلي، لكن الأمر أكبر من أي منطق، ولا يمكن تفسيره بحال .. ولما سكت عن موسي الغضب راح يعتذر مرغما للخضر متعهدا أن تكون المخالفة الأخيرة: قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً، أي قد أعذرت إليّ مرة بعد مرة ولا عذر لي إن أخطأت من جديد. يقبل الخضر اعتذار موسي ويمضي إلي سبيله وهو يعلم أنه لا سبيل لتوضيح سر القدر وحكمته إلي تلميذه مهما بلغت نجابته .. سكت موسي لئلا تنتهي الرحلة لكن بكل تأكيد فإن الوساس والشكوك بقلبه وعقله لم تسكت.

وتستمر الرحلة العجيبة .. بلغ التعب بموسي والخضر مبلغه وأصابهم جوع شديد، ووجدا علي مرمي بصرهما قرية فقصداها طلبا للراحة والطعام ... لكن أهل القرية كانوا لئاما شديدي الغلظة فردوهما بفظاظة، وردوهما خالي الوفاض، وبينما يتجهزان للرحيل علي تعبهما وجوعهما، قابلهما في طريقهما حائط يوشك أن يسقط ويقع، فشرع الخضر يعمل بجهد ليقيمه ويصلحه كأحسن ما يكون ثم مضيا بلا أجر أو جزاء.

وهنا لم يتمكن موسي من حبس أسئلته وكتم استنكاره فقال: قوم أتيناهم فلم يضيفونا، ولم يطعمونا ومع ذلك تفعل لهم هذا المعروف، ولو شئت لأعطيت علي ذلك أجرا نأكل منه بينما المساكين الطيبين الذين يعملون في البحر وأكرمونا وحملونا معهم تفسد لهم سفينتهم وتعرضها للغرق والهلاك.

وهنا يعلن له الخضر نهاية الرحلة قائلا: قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا .. انتهت الرحلة لأن إناء موسي امتلأ بالنكران ونضح بما فيه فله كما لكل انسان طاقة وسعة وقد بلغها بالفعل ولن يتمكن من حبس نفسه أكثر من ذلك والخضر عذره مرة بعد أخري .. ونلحظ هنا أن موسى ـ عليه السلام ـ لم يعد يكتف بالاستفهام بل تعدَّى إلى اتهام الخضر بأنه يأتى أموراً منكرة عظيمة.

ليت الرحلة طالت لنستخرج من جعبة هذا الحكيم درر علمه لم يتح لنا منها سوي ثلاثة مواقف فحسب لكنها أعجب من بعض .. في صحيح مسلم: قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْتُ أنَّهُ كانَ صَبَرَ حتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِن أَخْبَارِهِمَا .. وفي رواية أخري في صحيح مسلم كذلك عن النبي صلوات ربي عليه يقول: رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْنَا وعلَى مُوسَى، لَوْلَا أنَّهُ عَجَّلَ لَرَأَى العَجَبَ.

نحن أمام هذه القصة نشبه أصحاب السفينة أو أبوي الغلام أو أصحاب الجدار .. لم يفسر لهم الأمر أحد، وربما عاش أصحاب السفينة ما عاشوا يتعجبون من هذا الرجل الذي بدا عليه الصلاح وأفسد لهم سفينتهم ... وعاش الأبوان يبكيان طفلهما المسكين ولم يدر اليتيمان كيف عملت يد الله في الخفاء لتحفظ لهما كنزهما.

كم من أحداث عظام تمر بنا ولا خضر يريح قلوبنا ويهدئ ثورات الشك بداخلنا بقوله: ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا .. الفكرة في قصة موسي والخضر ستجعلك تري الحياة بعين أخري، تجعلك تري الخير المحتمل في باطن الشر، والمنحة في طيات المحنة، والرحمة المستترة وراء قشرة القسوة، والعطاء الذي يتشكل لنا في صورة منع ..عين يمكنها أن تأمل وتبصر في أحلك المواقف ما وصفه الخضر لموسي (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) حتي لو لم تر بعينيك وجه الرحمة حينها.

سألتك من قبل ..
هل رأيت كيف يستخرجون الذهب من الصخور؟
واللؤلؤ من المحار؟
والمسك من دم الغزال؟
أضف إلي ذلك وكيف تبصر الحكمة وراء القضاء وتظفر باليقين من بين حبائل الشك؟
لا تنس عزيزي أن أجمل وأعمق وأصدق ما في الحياة لن يأتي أبدا بصورة سهلة متاحة لكل أحد .. وكنوزها تحتاج دائما وأبدا جهدا وصبرا لتظفر بها.

© 2026 - جميع الحقوق محفوظة

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

Rejoining the server...

Rejoin failed... trying again in seconds.

Failed to rejoin.
Please retry or reload the page.

The session has been paused by the server.

Failed to resume the session.
Please retry or reload the page.