خيبات الأمل والتعافي
مقال بقلم عماد الدين محمد السكري
شاهدت علي يوتيوب تجربة إجتماعية أمريكية يسأل فيها المذيع الاشخاص في الشوارع عن الشخص الذي يتصلون به حينما يجدون انفسهم في اسوأ حالاتهم ويحتاجون الدعم النفسي..
المحزن، أن أكثر من ٩٠٪ ممن قابلهم أجابوا بنفس الاجابة وهي أنه لا يوجد في حياتهم أحد يلعب دور المسعف النفسي هذا (لم يحظوا به أصلا او كان موجودا وخان ثقتهم او رحل).
يبدو ان ضغوط الحياة ومطالبها الثقيلة علي الجميع وما سببته من حالة عامة من الانهاك النفسي بحيث يتحمل الإنسان نفسه بصعوبة فكيف بالآخرين .؟! بالاضافة للصدمات النفسية من المقربين .. والرهانات الخاسرة علي الاحبة والاصدقاء الذين لم يظلوا كذلك .. كل ذلك ادي لتلك الحالة من عدم الثقة والشعور العام بالخذلان ..
عرفه البعض بأنه أن تظن أنك لن تهون لكنك تهون ..
الحقيقة هي أن الحياة تفاجئنا بالفعل بخيبات أمل غير متوقعة، وليست خيبات امل فحسب بل هي صفعات تترك اصابعها علامات لا تمحي علي جدران نفوسنا .. وهناك علاقة عكسية بين قرب الشخص منك ومن حجم خيبة الامل التي تحظي بها بسببه ..
وهناك خيبات أمل من قسوتها لا يتعافي الإنسان منها ولا يعود بعدها كما كان قبلها. يخرج منها جسدا ويبقي جزء من روحه عالقا بها كبقايا الطعام العالقة بين أسنان حادة.
أعرف العديد قصص متكررة متشابهة جميعا في أصلها مختلفة في تفاصيلها عن الشراكات التجارية وعلاقات الزواج والمصاهرة والسفر والصداقات ممن ظنوا أن قوة العلاقة بينهم يمكن أن يشفع لهم ويمكنهم من التغلب علي تعقيدات وجهات النظر واختلاف الطباع والأولويات.... لكن هيهات هيهات .. تنتهي كل هذه العلاقات في الأغلب علي غير ما يتمني الشريكان بإخفاقات ودروس وعبر ومرارات تبقي اثارها العمر كله ..
جمعتهما سنوات الغربة الطويلة كانا فيها كالاخرين او اقرب بلا ادني مبالغة، ولما رجعا مصر قررا التشارك في تجارة يستثمران فيها حصيلة غربتهما .. ولك ان تكمل انت يا عزيزي القصة، اختلاف، وجهات نظر وزوايا متعارضة لرؤية الأمر .. قصة مكررة ملخصها .. شراكة خاسرة .. وقلوب مجروحة .. وتبادل للظنون والاتهامات .. وتشكيك في الذمم …
خيبة أمل، ودرس جديد مفاده الصداقة الناجحة ليست ضمانة للمشاركة التجارية الناجحة .. يوم خطبته كتب علي صفحته:
وكتبت هي:
وبعد شهور ليست بالبعيدة وبالقفز علي كل التفاصيل المربكة . كان هناك صفعة مهينة جديدة يتلقاها طيب جديد.. وعلاقة ديس علي قلب طرف منها بالحذاء من شخص كان يظنه يسكن قلبه ويختلف عن كل الناس .. ويتبعها تلاسنات وتنبيطات علي صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، وعبارات ندم وتجريح وتقليل ..
والدرس؟ حتي الحب الناجح ليس ضمانا للزواج الناجح وليس عاصما من خيبات الأمل هو الآخر ..
ما الحل اذن؟ سألت يوما صديقا عركته الحياة عركا .. فأجاب، لا ترفع سقف توقعاتك من مخلوق حتي ولو كان هذا المخلوق أباك أو أمك أو زوجك أو ابنك .. اخفق سقف طموحاتك من البشر جميعا لترتاح .. توقعاتك القوية تشبه احكام قبضتك حول كأس زجاجي رقيق كلما ظننت أنك تحكم يدك عليه أكثر كلما كان حجم جرحك حين ينكسر أكبر ..
وكما يقولون: who expects more will suffer more. كلما زاد مستوي توقعاتك من الاخرين كلما عانيت أكثر .. هذه نصيحة غالية لكني صدقا لا اعرف هل هي قابلة للتطبيق ام لا ..
اضفها الي النصيحة التالية : بحلول الواحد والعشرين من عمري انخفض سقف توقعاتي من الاخرين ليصبح مساويا للصفر .. ومنذ ذلك الحين صار أي شيء قليل احصل عليه من البشر هو بمثابة المكسب الاضافي الذي يسعدني، لاني لا اتوقع منهم اصلا شيئا قليلا ام كثيرا .
"My expectations were reduced to zero when I was 21. Everything since then has been a bonus."
خلاصة هذا الحل، أن نضغط علي فرامل قلوبنا بقوة حتي لا تنزلق في هذا الفخ، فخ رفع الثقة في المخلوقين ..
وأن نكون حذرين في نثر مشاعرنا وثقتنا؟!
وأن نجعل بيننا وبين الناس مسافة لا نحلم أصلا بتلاشيها ..
أن نعتدل إذا أحببنا فلا نتهور ونتسرع بالقاء كل رهاننا علي شخص ما؟
وأن تذكر نفسك علي الدوام: خلف كل ثقة مبالغة صفعة خذلان منتظرة..
لكن هل من الممكن ان تمضي الحياة بهذا الشكل الجاف الحذر وبهذه الروح المرتابة فاقدة الثقة في الجميع ؟!! لا ركن نركن اليه حين نضعف ولا يد حامية تربت علينا حين نتوجع ولا مؤنس لنا اذا استوحشت حولنا الحياة؟
الاجابة بكل تأكيد لا يمكن لنا ذلك .. بل نحن ومهما بدونا كبارا في أعين الآخرين في أمس الحاجة لكل ذلك .. لكن يبدو لي أن سر شقائنا أننا نفتش في المكان الخطأ وطرقنا كل الأبواب ماعدا باب كان ينبغي أن يكون الأول في بحثنا .. أن نلتمس هذا العون وهذا الجبر وتلك الرحمة في مكانها الذي لا يخيب قاصده ..
"الله ولي الذين آمنوا " في التفاسير أي محبهم .. وناصرهم ومعينهم وقيل متولي أمورهم لا يكلهم إلى غيره. ستمضي عليك سنن الحياة ودروسها درسا درسا حتي تتشرب الحقيقة وتسلك عن حب هذا السبيل .. لا ملجأ ولا جابر ولا مؤنس ولا مولي إلاه سبحانه ..
هناك من يصل لتلك الحقيقة والقناعة من طريق " الخذلان" الطويل ... تتابع عليه خيبات الأمل في البشر مرة بعد أخري، وتهوي علي خده صفعات التجارب المؤلمة كفا بعد كف .. حتي يصل في النهاية للنتيجة أنه أخطأ حينما توجه إلي الأرض والتمس فيها العون وظن فيها السند، وحين رفع سقف توقعاته حيث كان ينبغي أن يخفضها ..
عبر عنها الشاب الموهوب أدهم شرقاوي بقوله:
ومحظوظ هو من وصل لتلك القناعة من طريقها المختصر "العرفان" .. لا يحتاج لخيبات أمل ولا ليجرب كل الطرق الملتوية ليدرك الحقيقة الساطعة كنجم دري وسط الظلام الحالك .. يعلم ابتداء أن من خلق هو وحده من يجبر ويرحم ويؤنس ويرعي ويعز ويرفع ويعين .. وأنه لن يجبر كسر النفس مثل الله، ولن يؤنس وحشتها سواه .. ويوقن أن كل اتكاء والتجاء لغيره لا يعول عليه .. ويتعلم، أن طمأنينة القلب وصلاح البال وسكون النفس بيده وحده ..هو ربي ويتولي أمري ويرعاني .
