هل تحن إلي والدك — أيمن السكري
ديني

هل تحن إلي والدك

5 دقائق قراءة
هل تحن إلي والدك
ظلال عابرة - حكاية مئة عام - أيمن السكري

ظلال عابرة

تأملات بقلم د. أيمن السكري (2026)

هل تذكر والدك؟
بالطبع… وتفاصيل ذكرياتك معه حاضرة وواضحة بل محفورة في ذهنك.

هل تذكر جدّك؟ الصورة أقلّ وضوحًا. والد جدّك؟ وجدَّ جدّك إذن؟ هل تعرف شيئًا عن أحلامه؟ عن همومه؟ عن مواجعه؟ عن أملاكه التي ظنّ يومًا أنها الدنيا كلّها؟

كلما عدنا في الزمن خطوة، بهتت الوجوه في ذاكرتنا، حتى نصل، بعد مئة عام أو أكثر، إلى تلك الشخصية الشاحبة البعيدة… رجلٍ جئتَ أنت من نسله، ولا تعرف عنه شيئًا تقريبًا.

لكن اقترب قليلًا انظر إليه شابًّا بهيَّ الطلعة ممتلئًا بالنضارة والأمل وانظر إلى عروسه، تلك الفتاة الخجولة وهي تقف إلى جواره في أول الطريق

هذه جدّتك التي ربما لم تسمع بها قط، والتي كانت سببًا في مجيئك إلى الحياة، ثم لم يبقَ منها في شجرة العائلة إلا حروف خجولة، لا تكاد تلفت نظر أحد. تأمل ملامحهما جيدًا، لتدرك أن حياتهما لم تكن باهتة كما تبدو لك الآن. كانت حياةً تضجّ بالأحلام، وتشتعل بالطموحات، وتمتلئ بتلك التفاصيل الصغيرة المربكة، التي تصنع في أعين أصحابها وهم الأهمية، والتفرّد، والاستحقاق.

ثم دارت عقارب ساعة ذلك الشاب بجنون آلاف المرات، حتى وجد نفسه جدًّا عجوزًا، ينظر إلى أحفاده من بعيد، ويراقب بساط الدنيا وهو يُسحب في صمت من تحت قدميه، متعجّبًا من قِصر الرحلة، ومن خفّة العمر حين ينظر إليه صاحبه من نهايته. وفي النهاية، انطفأت شعلته… ورحل.

ولم يكن يدري أن مئة عام ستمر، ستبهت صورته فيها إلى هذا الحد، حتى تأتي أنت، لتأخذ دورك على مسرح الحياة، وتتذكر بدهشة رجلًا خرجتَ من صلبه، ولا تعرف عنه إلا ظلًّا غامضًا باهتًا. وأنت، في اللحظة نفسها، لا تنتبه إلى أن عقارب ساعتك تدور بالجنون ذاته، وأنك، عمّا قريب، ستقف في الموضع نفسه، تراقب بساط الحياة وهو يُطوى من تحتك بهدوء.

هل تذكرون جدّ جدّكم؟ هل كانت له أحلام؟ هل أثقلته هموم ظنّها نهاية العالم؟ ثم سيطوي السؤال كلّه.. وينشغل القادمون بهمومهم العابرة

من هنا أحببتُ أن أترك للقادمين إشارة صغيرة: أن حياتنا، مهما بددت لهم يومًا شاحبة وبعيدة، لم تكن باهتة كما ستبدو في المستقبل. وأحببتُ أن أهمس في أذنك يا صديقي: إن همومنا، التي نمنحها اليوم كل هذا الخوف والقلق، سترحل معنا كما رحل كل شيء مع من سبقونا.

فاهدأ قليلًا…
فكل ما يشغلك الآن سيصبح يومًا ما هامشًا صغيرًا في حكاية باهتة، لا يعرفها أحد.
لن تبقى كما نتوهم، ولن تتذكرها الدنيا كما نظن، ولن تستحق حين ننظر إليها من بعيد كل هذا الارتباك الذي نهدر فيه أعمارنا.

© 2026 - جميع الحقوق محفوظة لـ د. أيمن السكري

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

Rejoining the server...

Rejoin failed... trying again in seconds.

Failed to rejoin.
Please retry or reload the page.

The session has been paused by the server.

Failed to resume the session.
Please retry or reload the page.