المشهد الأول: عائلة من غزة
بقلم د. أيمن السكري
يُفتتح على وجه هذا الرجل الجميل الواقف على يمين الصورة منذ ثلاثة وثلاثين سنة ماضية، صيف ١٩٩٠ م.
تقترب منه الكاميرا، شاب في منتصف العشرينات، يجلس في أدب بادياً عليه بعض الارتباك وهو يرى عروسه تدخل بفنجان القهوة السادة كتقليد غزّاوي قديم أنهم سيحيون معاً على الحلوة والمرة.. أمّه تجلس بجواره فخورة متباهية باختيارها هذه العروس ذات الحسب والجمال والأدب والنسب.. يحادث للمرة الأولى عروسه بنت الأكارم.
لحظات الارتباك الأولى، ونظرات حييّة تُعَدّ على اليدين هي ما أمكنه وعروسه تبادلها في مجلس الخطبة هذا.. هل نتفق الآن، تكون "التقبيضة" و"الصمدة" الجمعة المقبلة؟ الإفيهات والدعابات المرحة المكررة من الأهل الموجودين متسائلين لِمَ العجلة.. يرد العم: البقلاوة صارت الآن تباع جاهزة فلمَ الانتظار، خير البر عاجله. يضحك الجميع.. ثم صوت رجولي عميق هو صوت أبيها معلناً الموافقة، الفاتحة.. تمتمات الحضور بقراءة الفاتحة ثم طوفان زغاريد.
تأسست الأسرة، هو مهندس شاب يحمل أحلاماً بحجم الكوكب كله، وهي في السنة الأخيرة لكلية الآداب وطموحاتها محددة وبسيطة في الآن نفسه، أن تعمل مربية للأجيال مدرسة للمادة التي تعشقها: التاريخ.. تعثرات السنوات الأولى والحيرة أمام تقاطعات الحياة الكثيرة، أُكمل دراساتي العليا وأعمل أستاذاً بالجامعة أم لا؟ أسافر أمريكا كما سافر صديقاي ويشجعاني على القدوم لمركز حضارات الأرض المعاصرة أم أسافر دولة خليجية أجمع بعض الأموال ونحج ونعود لنستقر بين أهالينا في غزة بعدها؟؟
ثم تمضي السنوات ويُرزقان بثلاثة من الأقمار وبنتين كأرق ما يكون النسيم.. أكرمهما الله بعد سنوات شقاء وكفاح أن يشتريا تلك الأرض الهادئة القريبة من شاطئ غزة الجميل.. المفاجأة الأرض التي أحببتها يسّر الله لي شراءها.. هل تعلمين أنني حسبت المسافة بينها وبين البحر فإذا هي خمس دقائق مشياً على الأرجل.. إذا أكرمنا الله سنخصص طابقاً لأهالينا وأحبابنا القادمين للاصطياف..
تمر الأيام كأحلى ما يكون، يكبر الصغار وكل واحد منهم يحمل من أبيه حقيبة أحلام تسع الكوكب كله، ومن أمهم سلاماً نفسياً يمكن أن يلف العالم كله ثلاث مرات.. الأسرة تكبر وتصبح عائلة جميلة، وسّع الله عليهم رزقهم وأمدهم بكل أسباب السعادة وشرع الأحفاد يزيدون في البيت عاماً بعد عام.. منزل يمتلئ بكل صور الطموح والآمال حتى تفيض الأحلام من نوافذه.. متشبّع بالسلام والسعادة حتى أن جدران البيت وألوان طلائها البسيطة تشعرك أنها سعيدة هي الأخرى مسالمة إلى آخر الحدود..
يتابعون الأخبار ولا يصدقون أن العالم صار بهذا الجنون. لتكون صادقاً كانت تعتريهم حالة من حالات الإنكار الجماعي، فأسرة بريئة مثل هذه الأسرة المفرطة في العادية لا تتخيل أن يصل القبح والجنون هذا المبلغ بالعالم الذي يحيون فيه.. الجدة المثقفة كانت حريصة على سلام أحفادها ورعايتهم نفسياً تحت هذا القصف المجنون.. اتفقوا إذا حدث القصف يجتمعون جميعاً في صالة شقتهم.. يقرأون القرآن ويحكون القصص..
ثم فقرات المواهب والغناء والتمثيل والإبداع فيما يمكن لعبه داخل حدود البيت.. ثم مسابقات، مسابقات مرحة لا يتخيل العدو الوغد أن هناك من يجرونها تحت هذا القصف المجنون.. مثلاً: بعد كم دقيقة سيسمعون الانفجار القادم؟ من يستطيع توقع ناحية سقوط الصاروخ المقبل سيربح؟ الأطفال والكبار نسوا بالفعل أنها كارثة وصارت لديهم لعبة.. لن تجد مثل هذا الشعب في ثباتهم النفسي وقدرتهم على تحويل الكارثة مادة خصبة للمرح.. محبون للحياة مثلك ومثلي ومثل كل شخص نقي لم يقترف في هذه الحياة جرماً.. سرعان ما ينسون القصف فهم ككل مولود غزاوي مؤمنون أن قدر الله نافذ حتى لو كنا في بروج مشيدة..
في لحظة ما نبتت لديهم جميعاً هذه الرغبة المشتركة.. إذا قُدّر لهم أن يموتوا بفعل هذا الجنون أن تكون لحظتهم الأخيرة كلحظتهم تلك.. معاً في غرفة واحدة كما قال الجد ويأتي موكب الملائكة يحملنا دفعة واحدة إلى الجنة.. أيامهم الأخيرة اختلط فيها الوجع بالأمل، الوجع كلما نما إلى علمهم ارتقاء أحد من معارفهم.. اليوم قصفوا منزل آل مهران وبعدها.. وبعدها قصفوا عشرة منازل كاملة لهم فيها الكثير من الأحباب وزملاء الدراسة والأصدقاء.. والأمل أن ينتهي هذا الجنون في لحظة بأمر الله كما بدأ..
اليوم ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٣ وفي تمام الساعة الخامسة وخمس وأربعين دقيقة اجتمعت العائلة كما اعتادوا حتى ينتهي وقت القصف المجنون.. انفجرت بالون من بلالين اللعب فساد الفزع للحظة ثم ضحكوا جميعاً لتعليق الحفيد الأصغر: بحسبه "ساروخ"، ليرد ابن عمه الأكبر: لا تخف الصاروخ الذي سيصيبك لن تسمع صوته.. الجدة تقول بحزم: لا مزيد من البالونات يكفينا أصوات تفجيرات..
وبدأت فقرات حفلهم اليومي المعتاد.. الذي صار ينتظره الصغار السعداء بالإجازة المدرسية التي طالت.. انتهوا من قراءة وردهم القرآني اليومي.. كم أدركوا متأخرين كم يخفف القرآن هذه الأجواء الملتهبة.. وقال الابن الأكبر: أنا سأبدأ حفل اليوم بمفاجأة للجميع لكن أغمضوا عيونكم جميعاً ولا تفتحوها إلا حينما تكملون العد الجماعي إلى عشرة.. بصوت واحد..
وقبل أن يقولوا ٨.. سطع ضوء رهيب ودوى صوت عظيم غير معتاد.. ليفتح الجميع أعينهم ليجدوا مفاجأة أكبر في انتظارهم..
انتهت اللعبة بكل بساطة وسهولة..
انتهت تماماً كما تمنى الجد..
محفوفين بكوكبة ملائكية شديدة البهاء والجمال والعظمة تطير بهم موكباً واحداً إلى "الله"..
وتنقلهم سعداء مبهورين إلى دارهم الجديدة ليكملوا الحفل حيث لا قصف ولا حزن ولا فزع ولا مزيد جنون..
