الخروج من المدار — أيمن السكري
إداربة

الخروج من المدار

7 دقائق قراءة
الخروج من المدار
الخروج من المدار - أيمن السكري

الخروج من المدار

مقال بقلم د. أيمن السكري

الخروج من المدار والـ Change Management .. أعرفه شكلاً منذ طفولتي، اعتدت أن أراه يجمع الكراتين من الشوارع وأماكن القمامة بوجه جاد منطفئ ويرصها في صندوق كبير ثبته على دراجته، رأيته اليوم بعد سنوات طويلة لأجده كما هو وكما تركته منذ سنوات عدة .. بخلاف تغييرات ثلاثة شعرت كأن الزمن توقف عنده ..

أولها خطوط الزمان التشكيلية التي ازدادت على وجهه وزادت ملامح وجهه جدية وغموضاً، والأمر الثاني الذي لفت نظري هذا الطفل الصغير الذي يشاركه العمل والذي ورث الكثير من ملامحه وصفاته .. والأمر الأخير أن الدراجة القديمة تطورت فصارت تروسيكلاً متواضعاً ..

ملأتني الوساوس بشأن مستقبل هذا الصغير الذي ورث ملامح أبيه ومهنته، وعلى الأغلب ترك الدراسة ليستطيع مساعدة أبيه في هذا العمل الذي بالتأكيد يأتي بالكاد بما يبقيهم أحياء مكافحين شرفاء..

سرح بي خيالي لأرى الصغير بعد عشرين سنة وقد استكمل وراثة ملامح أبيه وصندوقه ومهنته وتروسيكله بالإضافة لحزنه وجديته ليقوم بالأمر نفسه ....

المسكين لن يستطيع بسهولة الخروج من هذا المدار القاسي الذي عاش أبوه وسيموت محبوساً بين جدرانه، وسيتكرر الأمر ذاته مع إخوته لو كان له إخوة.. وسيتكرر مع مئات.. آلاف.. عشرات الآلاف.. مئات الآلاف.. ملايين غيرهم..

لا أدري عددهم لكنهم كثيرون وكثيرون جداً يقضون حياتهم يدورون في تلك الدائرة الجهنمية الخانقة، وكلما فكروا في أخذ خطوة خارج المدار تأتيهم موجة لتعيدهم حيث كانوا.. وتضيع حياتهم في النهاية في اللاشيء .. حقيقة تتواضع جانبها أسطورة سيزيف بصخرته الصاعد بها على الدوام نحو قمة لا وصول لها أبداً..

يقول ستيف جوبز: "حينما كنت في السابعة عشرة من عمري أعجبتني حكمة تقول 'لو عشت كل يوم كما لو كان هو يومك الأخير في الحياة، فستكون محقاً يوماً ما'" ..

ومنذ ذلك الحين وأنا أبدأ يومي كل صباح بسؤال أوجهه لنفسي في المرآة: لو كان هذا اليوم هو الأخير لك في الحياة، هل كنت لأفعل ما أخطط لفعله اليوم؟

وإذا تكررت الإجابة بـ "لا" عدة أيام متتالية كنت أعلم أن علي أن أتخذ قراراً بتغيير شيء ما ... وأعمل جاهداً على التعرف على هذا الشيء ولا أتأخر في تغييره... ولذلك نجح ستيف لأنه لم يستسلم للمدار المفروض عليه أبداً ..

الخروج من أسر المدار ليس بالأمر الهين أبداً للأشخاص والشركات والكيانات والأمم، كل في فلك يسبحون ..

من يستطيع توصيل مفاهيم الـ Change Management لهذا الرجل البسيط وللموظف الذي يحسب أن وحوش العالم تتربص به خارج حدود وظيفته متلهفة على التهامه بلا رحمة إذا فقد وظيفته أو غير مساره؟ ومن يوصل لهم أن بعض التمرد والله لن يضر بل سيغير مسار حياتهم وربما حياة أجيال بعدهم للأبد... ومن يوصل لهم أننا إذا استمررنا في عمل ما اعتدنا عمله فلن نحصل سوى على ما تعودنا الحصول عليه والذي هو غير مرضٍ هنا .. ومن يخبر الموهوب الذي لا يعلم حدود إمكانياته أن خارج المدار الذي حبس نفسه فيه عوالم رحبة تعد كل مغامر بخيرات لا حصر لها..

الكل يقاوم بالغريزة التغيير ويخشاه ويحسب ألف حساب لثمن هذا التغيير ويضيع منه العمر وهو يراوح في مكانه ويحسب أن قدميه اللتين لم تكفا عن الجري تقودانه إلى أراض جديدة وهو لا يعلم أنه لم يغادر منطقته قط، وأنه يركض فوق سير كهربائي لا يتوقف أبداً ولن يقود قدميه إلى مكان جديد أبداً ...

نخاف التغيير لأننا نرى بكل وضوح ثمنه المرتفع والذي غالباً ندفعه دفعة واحدة ومسبقاً، لكننا للأسف لا نرى الثمن المرعب لعدم التغيير والذي للأسف ندفعه نسيئة مضاعفاً مقسطاً على العمر كله..

© 2026 - جميع الحقوق محفوظة لـ د. أيمن السكري

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

Rejoining the server...

Rejoin failed... trying again in seconds.

Failed to rejoin.
Please retry or reload the page.

The session has been paused by the server.

Failed to resume the session.
Please retry or reload the page.