الخروج من المدار
مقال بقلم د. أيمن السكري
الخروج من المدار والـ Change Management .. أعرفه شكلاً منذ طفولتي، اعتدت أن أراه يجمع الكراتين من الشوارع وأماكن القمامة بوجه جاد منطفئ ويرصها في صندوق كبير ثبته على دراجته، رأيته اليوم بعد سنوات طويلة لأجده كما هو وكما تركته منذ سنوات عدة .. بخلاف تغييرات ثلاثة شعرت كأن الزمن توقف عنده ..
ملأتني الوساوس بشأن مستقبل هذا الصغير الذي ورث ملامح أبيه ومهنته، وعلى الأغلب ترك الدراسة ليستطيع مساعدة أبيه في هذا العمل الذي بالتأكيد يأتي بالكاد بما يبقيهم أحياء مكافحين شرفاء..
سرح بي خيالي لأرى الصغير بعد عشرين سنة وقد استكمل وراثة ملامح أبيه وصندوقه ومهنته وتروسيكله بالإضافة لحزنه وجديته ليقوم بالأمر نفسه ....
لا أدري عددهم لكنهم كثيرون وكثيرون جداً يقضون حياتهم يدورون في تلك الدائرة الجهنمية الخانقة، وكلما فكروا في أخذ خطوة خارج المدار تأتيهم موجة لتعيدهم حيث كانوا.. وتضيع حياتهم في النهاية في اللاشيء .. حقيقة تتواضع جانبها أسطورة سيزيف بصخرته الصاعد بها على الدوام نحو قمة لا وصول لها أبداً..
يقول ستيف جوبز: "حينما كنت في السابعة عشرة من عمري أعجبتني حكمة تقول 'لو عشت كل يوم كما لو كان هو يومك الأخير في الحياة، فستكون محقاً يوماً ما'" ..
ومنذ ذلك الحين وأنا أبدأ يومي كل صباح بسؤال أوجهه لنفسي في المرآة: لو كان هذا اليوم هو الأخير لك في الحياة، هل كنت لأفعل ما أخطط لفعله اليوم؟
وإذا تكررت الإجابة بـ "لا" عدة أيام متتالية كنت أعلم أن علي أن أتخذ قراراً بتغيير شيء ما ... وأعمل جاهداً على التعرف على هذا الشيء ولا أتأخر في تغييره... ولذلك نجح ستيف لأنه لم يستسلم للمدار المفروض عليه أبداً ..
الخروج من أسر المدار ليس بالأمر الهين أبداً للأشخاص والشركات والكيانات والأمم، كل في فلك يسبحون ..
الكل يقاوم بالغريزة التغيير ويخشاه ويحسب ألف حساب لثمن هذا التغيير ويضيع منه العمر وهو يراوح في مكانه ويحسب أن قدميه اللتين لم تكفا عن الجري تقودانه إلى أراض جديدة وهو لا يعلم أنه لم يغادر منطقته قط، وأنه يركض فوق سير كهربائي لا يتوقف أبداً ولن يقود قدميه إلى مكان جديد أبداً ...
نخاف التغيير لأننا نرى بكل وضوح ثمنه المرتفع والذي غالباً ندفعه دفعة واحدة ومسبقاً، لكننا للأسف لا نرى الثمن المرعب لعدم التغيير والذي للأسف ندفعه نسيئة مضاعفاً مقسطاً على العمر كله..
