البشر في الأزمات — أيمن السكري
إداربة

البشر في الأزمات

5 دقائق قراءة
البشر في الأزمات
أنماط البشر في مواجهة الأزمات - أيمن السكري

خمسة أشخاص في المصيبة

بقلم د. أيمن السكري

صدقني الحياة تكرر نفسها بشكل مذهل...
لكننا أثناء الحدث نكون مشغولين بالكلية في متابعة التفاصيل المشتتة فلا ندرك وجه التكرار والتشابه إلا بعد مرور الحدث.

* نظرية مثيرة للاهتمام مثل بقية آرائك، وفي الحقيقة لا أملك نفيها أو تأكيدها..
- حقك تماما .. لكن خذ هذا المثال، وتذكر أن تتذكره في أقرب مصيبة تقابلك...
* أقرب مصيبة ستقابلني، أنا أعيش تفاصيل المصيبة الآن يا عزيزي.
- جيد جدا، في مصيبتك هذه ستقابل ٥ أشخاص...

الأول: شخص مرعوب مضطرب مشغول بنسج أكثر السيناريوهات تشاؤما عن المآلات ثم يسكن كل سيناريو بكل أريحية ويأخذ في الولولة وندب حظه العثر علي غرار الأستاذ ممتاز في فيلم فول الصين العظيم أو شخصية الخبير في كارتون المرعبين المتحدين، نصيحتي لك إن قابلته ربت علي كتفه مرة ثم انصحه نصيحة أخوية أن يتفاءل بالخير حتي يجده، ثم فر بعدها منه فمرضه معد وستنتقل إليك طاقته السلبية تدريجيا وسيزيد عذابك عذابا، ولا يرتجي من الحديث معه أو صحبته أي خير .. هو أصلا لن يرتاح طالما شعر أن رعبك لم يصل لمستوي الحدث في نظره..

الثاني: علي عكس الأول تماما، هذا تخبره أن هناك حريقا شب في المنزل، فيخبرك حسنا لا يزال أمامنا فرصة للعب بعض الكروكيه في الحديقة إذن؟ هذا متفائل لدرجة الإنكار، يلتقط أي خيط أمل في الحدث ويتعلق به ولا يري شيئا سواه .. المشكلة أن مثل هذا كثيرا ما ينقطع خيط الأمل الواهي به ويسقط في الجحيم بلا أي سابقة استعداد .. ثم أصلا بعد قليل من التدقيق، ستجد أنه ليس عنده حديقة ولا يعرف ما هي الكروكيه أصلا، ولكن أعجبه هذا الاقتباس من رواية أو فيلم قديم..
* وماذا أفعل معه؟
- هذا أخطرهم، لا تفعل معه شيء واتركه للزمن، فدائما الزمن وحده من يتلقي منه هذا الصنف الدرس..
* حتي لا أنصحه كما أوصيتني أفعل مع السوداوي؟
- لا تنصحه، سينقلب عليك أنت شخصيا ويلوي عنق االمشكلة ويرميها عليك أنت شخصيا ولو ساء الأمر كما أخبرته سيؤمن من داخله ١٠٠٪ أن هذا حدث بسبب آراء السوداويين أمثالك..

الثالث: هذا المتخذ وضعية الاستعداد علي الدوام، تري صاعقة مثلا أمسكت بالبيت، وبينما الجميع مرتبك محاولين استيعاب ما يحدث، تجده هو جاهزا من اللحظة الأولي، فيجري هنا ليلتقط بعض جذوع الخشب، ويطلب منكم تكسير زجاج النوافذ باي آلة حادة، ويطلب من آخرين بل بعض قطع القماش بالماء والقاؤها علي الأجزاء المعدنية البارزة في الأجهزة والبيت ... لا تدري من أخبره بهذه الحلول وهو لم ير صاعقة ممن قبل ... لكنه دائما يملك حلولا..
* ألزمه إذن فهو جاهز لمواجهة المصائب؟
- هذا هو الفخ العظيم، نعم هو يمتلك حلولا، لكن من أخبرك أنها حلول فعالة؟ من قال أن تكسير نوافذ البيت أو ترطيب القماش بالماء يجدي نفعا حين حدوث الصاعقة؟! لا أحد، مجرد هبد لكنه يبدو جميلا بسبب ثقته المطلقة فحسب..
نسيت أن أقول لك أن الثقة معدية كذلك!

* والرابع؟
- يتثاءب الصديق علي غرار الفيلسوف في الاذاعة المصرية القديمة، ثم يقول بنيتي هذا أمر شرحه يطول وحتي لا يطول المنشور وأنا الليلة مشغول ...
* إلي الغد إذن لتحكي لي عنه سيدي الفيلسوف ..

- الأول : السوداوي المبالغ في التشاؤم ... - الثاني : المتعلق بالأمل حتي ولو كان وهما ... - الثالث: المتخذ وضعية الاستعداد علي الدوام ...

- الشخص الرابع هو رجل الفقاعة: صنع فقاعة كبيرة لنفسه وسكنها وأدخل فيها من يشبهونه ومن يهتم لأمرهم والكوميونتي هنا شبه بعضه واغلقها جيدا بعد ذلك .. شعاره في الحياة أنا ومن بعدي الطوفان .. بالمناسبة هذه الفقاعة قد تكون اجتماعية، دينية، مادية أو كل هؤلاء معا..
يتعامل مع المشكلة كما يتعامل أهل الأرض مع مشكلة الاحتباس الحراري علي كوكب زحل، لا يتعاطف ولا يتضامن مع أحد وبداخله يقين عجيب أن كل من هم خارج فقاعته يستحقون ما نزل بهم لسبب ما إما لغبائهم أو لتقصيرهم أو لذنوبهم وان اصابه ما اصاب الناس انفجرت في نفسه براكين الغضب يلقي باللوم علي الغوغاء الذي عكروا مزاجه واقتحموا عليه فقاعته ويتهم الجميع الا نفسه..
* وهل من سبيل إلي هذا الرجل؟
- علي الأغلب لن تستطيع أن تصل إليه، حتي لو وصلت اليه لن يستمع اليك مادمت من خارج فقاعته، ولو كنت في داخل فقاعته فعلي الأغلب سيكون تفكيرك مشابها لتفكيره .. حاول بقدر المستطاع ألا تنفجر فقاعته في وجهك..

- الشخص الخامس الذي ستقابله هو رجل إيجابي، لكنه مسكين يسير وراء بوصلة مشوشة...
اذا كان الشخص الثالث ينفذ دوما بدون تفكير .. فهذا الرجل علي نقيضه ١٨٠ درجة، هو مبتلي بالتفكير والتخطيط ولا ينفذ شيئا .. هو مريض بـ Over Thinking وشلل التحليل .. كثير التخطيط قليل المخرجات .. يجمع كل ما استطاعه من معلومات عن المصيبة، ويقرأ تقارير الأطباء والاقتصاديين والسياسيين وأهل الدين وغيرهم ... أفكاره وظنونه هي العذاب نفسه، يحتاط لنفسه أكثر ما يحتمل الأمر .. وربما اصطدم مع الآخرين بدون داع يدخل معارك جانبية كثيرة، ربما تشاجر مع المتشائم ناهيا اياه عن مبالغته في البكائيات واللطيميات وفي نفس اليوم يدخل معركة حامية مع المتفائل المبالغ في التفاؤل .. باختصار طاقته تستهلك في غير جدوي .. فلا هذا سيغير رأيه ولا ذاك سيفعل..
* وهل من نصيحة معه؟
- إن استطعت أن تخرجه من دوامة الأفكار وارهاق نفسه بما هو خارج عن قدراته وامكاناته ونطاق تحكمه، وأن يعتدل في التخطيط والفعل ويتوكل علي الله قبل ذلك وبعده، لقدمت له خدمة جليلة..

* وماذا إذا لم أجد نفسي في أي صنف من هؤلاء الخمسة؟
- إذن هنيئا لك، فينبغي ألا نكون أيا منهم، وإن كان الأمر صعبا، والتيار الذي يجرفنا ناحية هذه الأصناف شديد..

السبيل هو الاعتدال .. الأخذ بالأسباب ما دامت في نطاق استطاعتنا ثم التوكل علي رب الأسباب، الاعتدال في التفاؤل والحذر .. مغالبة اليأس والخوف والحزن ونشر الطمأنينة والأمل .. التعاطف الصادق ومد يد العون إن استطعت، باختصار خذ من كل واحد من الانماط السابقة خير ما عنده ودع الشطط..

ارجع لقصص القرآن وأعد قراءة موقفا كهجرة النبي صلوات ربي عليه ..... ستجد الاعتدال الذي قصدته، تخطيط واستعداد للمخاطر والاستعانة بافضل العناصر كل في مجاله وثبات نفسي وأخذ بالأسباب وتوكل وتفاؤل وقت الشدة .... عن أبي بكر رضي الله عنه قال : ( كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، فرفعت رأسي، فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت: يا نبي الله لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا، قال: اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما ) متفق عليه..

ومريم رضوان ربي عليها، أمرت وهي في وسط مصيبتها وعلمها بحملها ولم يمسسها بشر، أمرت فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ ... طيبي نفسا وافرحي بولادتك يا مريم ولا تحزني.. وأم موسي وهي أمام أكبر ابتلاء تتعرض له أم ... وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ... لا تخافي ولا تحزني...

اختر لنفسك، وتذكر أن التشبث بالأمل ونشره وقت الأزمات عبادة..

© 2026 - جميع الحقوق محفوظة

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

Rejoining the server...

Rejoin failed... trying again in seconds.

Failed to rejoin.
Please retry or reload the page.

The session has been paused by the server.

Failed to resume the session.
Please retry or reload the page.