إدارة عموم الزير
بقلم د. حسين مؤنس
يحكي ان حاكماً عادلاً كان عائداً من جولة في بلاده في يوم قائظ ومعه وزيره وبعض حاشيته وبينما هم يستريحون في ظلال صفصافة وارفة استرعى نظره سيل متصل من الناس يذهبون الى ضفة النهر يردون الماء ثم يصدرون، ولاحظ انهم يعانون في ذلك مشقة كبيرة..
فامر بوضع زير ماء بحمالة وغطاء وبضعة اكواز تحت شجرة كبيرة، ودفع عشرة دنانير لاحد موظفيه لشراء الزير على ان يتعاون مع موظف اخر في ملء الزير وغسله كل يوم كي يشرب الناس..
وبالفعل اشتري الموظف في اليوم نفسه الزير وملأه وسعد الناس به أيما سعادة، ودعوا للحاكم الذي خفف معاناتهم اليومية..
******
مرت الايام والشهور والاعوام، وذات يوم مر الحاكم علي نفس المكان وجد بناء فخما يدخل الناس منه ويخرجون بالعشرات فسأل وزيره ما هذا؟ فاخبره ان الفكرة قد طورت وعدلت وصارت شيئاً مهولاً يساير متطلبات الزمن..
في البداية وضعنا الزير تحت الشجرة كما أمرت سيدي ولاحظنا ان الناس يتوافدون بالعشرات للشرب منه يوميا لأن الناس استعذبوا ماءه وعرفوا طريقهم اليه.. وبسبب التزاحم وكثرة الواردين انكسر الزير ذات يوم..
فأمرت بشراء واحد جديد، لكن قررت بعدها أن نبني بناء صغيرا لحماية الزير والعاملين عليه.. ثلاثة حوائط بسيطة يعلوها سقف يقوم تحتها الزير واستحسن الناس هذه الفكرة ورحبوا بها..
وبعد فترة وجدنا ان العمل شاق علي الموظفين فأمرنا ببناء غرفتين يستريح فيهما العاملان ووضعنا فيهما اثاثا بسيطا..
ولأن الوضع الجديد ومبناه الضروري حوله الي مرفق شعبي مملوك للدولة فكان من الضروري انشاء جهاز إداري للزير لتوزيع المهام ولحماية أملاك الدولة من أثاث وعهدة وخلافه..
فأنشأنا مأمورية صغيرة لادارة شئون مرفق الزير.. وعينا فيها رئيس قلم ومعه كاتب للشئون المالية وآخر لادارة العهدة..
تعجب الحاكم قائلا: شئون مالية للزير؟ زير وغطاء وكوز تصبح لها مأمورية وشئون مالية؟!
أنتم تعلمون سيدي أن للإدارة أصولا، وللضبط والربط قواعد..
والدولة لا يمكن أن تدع مالها وممتلكاتها سائبة بلا رقيب أو حسيب.
- ما شاء الله.. ما شاء الله.. أكمل أكمل..
- لما زاد اقبال الناس على الشرب – وصار الزير ينكسر كثيراً قررنا تحويل المأمورية الى ادارة – لها اربع ادارات فرعية:
- وكم كلفكم الأمر؟
- حوالي مائة الف دينار، بالاضافة الى اربعين الف دينار لادارة عموم الزير..
- وطبعا اضطررنا لاضافة مبنيين كاملين لاستيعاب الموظفين والمديرين في هذه الادارات الجديدة..
- سبحان الله.. زير وضعناه سبيلا للناس يتكلف كل هذا غير المباني التي اراها.. ثم ماذا؟
- هكذا شئون الدول سيدنا.. ولو رأيت الموظفين وهم يعملون مع المستشارين ورأيت النقاشات والمؤتمرات العلمية الراقية التي تعقد بحضور أرفع المتخصصين كل في مجاله لافتخرت بنا سيدي..
- وصار للادارة، اتصالات مع دواوين الدولة، مراسلات يومية مع وزارة الاشغال والخزانة والاقتصاد والخارجية والتنمية المحلية....
- الخارجية؟ ما علاقة الزير بالخارجية؟
- المؤتمرات يا سيدي، لقد أصبحت إدارة عموم الزير عالمية، وفريق الادارة النشط لا يترك مناسبة دولية الا ويبادر اليها وصار يسافر كل عام ثلاثة مؤتمرات دولية متخصصة علي الأقل.. في مؤتمر طوكيو الأخير انبهرت الدول بخطاب رئيس عموم الزير حتي اضطررنا الي ترجمته وطباعته باكثر من عشرة لغات..
- وهل يوجد في العالم ادارات مماثلة؟
- لا يا سيدي، اننا نفتخر بين كل الدول أن تجربتنا هذه هي التجربة الاولي الرائدة في هذا المجال.
- ما شاء الله ما شاء االله... أنا منبهر ثم ماذا ايضا؟
- طبعا اضطررنا لمواكبة التطوير أن نقوم بتنظيم العمل وتنظيم تقديم الخدمات لسهولة الاحصاء بعد ذلك ولتحسين خدماتنا المستقبلية، فاستحدثنا مديرية للاحصاء تابعة لادارة عموم الزير، استحدثت اربع استمارات، واحدة بيضاء يملؤها الذين يمرون بالزير مصادفة ويريدون أن يشربوا مرة واحدة ولا يعودون، واستمارة حمراء للذين يشربون كل يوم مرة واحدة بانتظام واستمارة صفراء لمن يعتمدون على الزير في شربهم وهؤلاء نصدر لهم كارنيهات تحمل صورهم.. اما الرابعة فزرقاء ترسل الى الحاسب الالي لمشروع الحكومة الالكترونية..
- قال الحاكم اريد ان اتجول في المبني..
قاده الوزير ناحية بناء شاهق كتب عليه بخط الثلث العظيم: "إدارة عموم الزير".. ورأي الملك أناسا كثيرين يدخلون ويخرجون وسيارات تصل وأخري تغادر وحركة كبيرة متصلة، وعلي الباب اناس يبيعون عرضحالات وأوراق دمغة ومكتبات تعلن توفر نماذج الاستمارات وامكانية التصوير الفوري..
دلف الملك وصعد للدور الأول، جري ناحيته موظف يرتدي بدلة فخمة، وقدم نفسه للملك: "خادمكم رئيس قلم الصادر والوارد".. ولما سار معه وجد أكواما من الدفاتر والسجلات.. ولما تناول أحدها وقرأها:
"خطاب من ادارة الخشب الي ادارة الحديد... بخصوص الرد علي خطابكم رقم ٢٣٧٦ بتاريخ ١٢-٨-٢٠١٥ بشأن طلب الافادة عن تخانة خشب غطاء الزير الحالي للاسترشاد به في تحديد التخانة المطروحة في المناقصة الفنية القادمة لاختيار تخانة حمالة الزير الملائمة.... نفيدكم علما أنه تم تشكيل لجنة فنية برئاسة معالي المستشار......."
وأخذ الملك يتنقل من طابق الي طابق ويبهره عشرات الموظفين الذين يؤدون عملهم في نشاط تام...
وفي النهاية لما طلب الوصول إلي الزير..
كانت المفاجأة قاعة واسعة متربة يغطي الغبار فيها كل شيئ...
ولا أثر فيها للزير.
