عن التغيير ...
مقال بقلم د. أيمن السكري (2026)
(أؤمن أن التغيير يحدث في لحظة واحدة ... والذي يخبرك أن الأمر تطلب منه ١٠ سنوات ليتغير، نسي أو تجاهل أن يخبرك أنه لم يستهلك السنوات العشر جميعها في التغيير).
ربما استغرقها يعالج التردد، أو يضبط البوصلة، أو يحاول التعرف على الوجهة أو الدافع، لكن التغيير نفسه حدث معه في ثانية واحدة كالمعتاد.
جيف بيزوس مؤسس شركة أمازون يقول: "الأمر بسيط إذا اتخذت قرارك ... لا أصدق أنني كتبت خطة العمل لشركة أمازون كاملة، والتي عشت سنوات لاحقاً أحققها، وأنا في الطريق في رحلة من نيويورك إلى كاليفورنيا".
سحرة فرعون في لحظة واعية قطعوا كل هذه الأشواط سريعاً، وقفزوا من البصيرة إلى الدافع إلى القرار عالي الثمن والتغيير ١٨٠ درجة. وانتقلوا من ضفة إلى ضفة أخرى تختلف تماماً، وبعد أن كانوا ذراعاً لبسط هيمنة فرعون وتأكيد جبروته، تحولوا إلى دعاة للحق يقفون في وجه فرعون يتحدون باطله ...
عمر بن الخطاب الذي قالوا فيه "والله لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب!"، وذهب بالفعل ليقتل محمداً -صلى الله عليه وسلم- وعاد وهو الفاروق .. التغيير ليس سهلاً ... لكنه كذلك ليس مستحيلاً.
في دراسة لماكينزي أن ٣٩٪ من أسباب فشل المبادرات الكبرى هو مقاومة التغيير ... الأمر إذن مشكلة بشرية عالمية ... الإنسان بطبعه يميل لما يألف ويعادي ما يجهل ... والتغيير محاولة لمد الجسور ناحية هذا المجهول ودفع الإنسان دفعاً ناحيته ...
يقول بيتر دراكر: "التغيير يشبه الموت والضرائب، لا أحد يحبهم ونسعى بكليتنا لتأجيلهم على قدر استطاعتنا" .. وأصعب أنواع التغيير هو التغيير الجذري Radical Change والذي يشمل تغييراً للمنظومة القيمية والمعرفية والسلوكية للفرد أو المؤسسة أو المجتمع.
لذا كانت أصعب تجارب التغيير هي تجارب الأنبياء مع أقوامهم، لما فيها من محاولات لتغيير قيم وأفكار وعادات وسلوك واعتقادات راسخة عبر عقود ومتوارثة عبر أجيال .. لذا يحتاج التغيير إلى صبر ومثابرة ونَفَس طويل لتكسير موانع التغيير وتثبيت دعائم النموذج الجديد المرغوب ..
لكن لماذا نقاوم التغيير؟ يلخص كوتر أسباب مقاومة التغيير الرئيسية في كتابه "قلب التغيير The Heart of Change" كالتالي:
أكثر ما لفت نظري النقطة الأولى (بسبب الرضا الخادع عن النفس أو الوضع الراهن). الرضا يولد حالة قبول بالأمر الراهن، والقبول بالأمر الراهن هو المسمار الأول في نعش التغيير.
جيف بيزوس وهو يحكي قصة بداية فكرة شركة أمازون وكيف كان موظفاً جيداً يعمل بوظيفة يحلم بمثلها الكثيرون، حتى أنه حينما عرض فكرته المجنونة عن أمازون لمديره طالباً المشورة، قال له: "إنها فكرة جيدة، لكنها قد تناسب من لا يمتلك وظيفة جيدة مثل وظيفتك" .. وبالفعل تردد بيزوس كثيراً قبل أن يقبل المغامرة بترك منطقة راحته وما فيها من استقرار ومزايا ..
وبالفعل، قد يكون أكبر عائق يمنعك من المضي قدماً لتحقيق الأمور العظيمة هو أن تكون أمورك جيدة ..
Good is the enemy of great ..
التضحيات الاختيارية هي بلا شك أصعب التضحيات، والقرارات حينها أصعب ولا يستطيعها كل أحد .. فليس من السهل بأية حال ترك وظيفة مستقرة ومربحة إلى عالم مجهول ومغامرة غير مأمونة الجوانب ..
قادني هذا الخاطر إلى خاطر آخر .. وهو أنه ربما كان ما أصابك من شر في حياتك هو في حقيقته خير أريد بك .. وربما كان قمة عطاء الله لك بحرمانك من هذا الأمر الذي تلهفت عليه لتصبح أمورك غير جيدة، كل ذلك لتغادر منطقة راحك التي تثاقلت إليها ...
