اللعبة .. — أيمن السكري
أدب

اللعبة ..

5 دقائق قراءة
اللعبة ..
اللعبة .. - أيمن السكري

اللعبة ..

مجموعة قصصية بقلم د. أيمن السكري (٢٠٢٦)

اللاعبون منهمكون بالكلية في اللعبة.. الأطماع كلها الان تدور حول "القاهرة" ..

تركها لأي أحد في هذه المرحلة يعني فقدان السيطرة علي أهم منطقة، وخاصة لهذا اللاعب الذي يمتلك بالفعل "دمشق"، والذي لن يتردد لحظة في بيع كل ما يملك ليشتري من اللاعب الآخر "أسوان"، لينشئ عليها مستعمرته من أسواق واستراحات وجراجات .. من يمتلك هذه الزاوية أنهي اللعبة لصالحه بكل تأكيد ..

أمر علي مدينة "عدن" وأتردد في شرائها، نعم هي لن تكلفني كثيرا، لكنها كذلك لن تعود علي بالكثير، والاستثمار فيها غير مشجع علي الاطلاق، لا أدري لم "عدن" الجميلة بهذا الحظ العثر في اللعبة وفي الحياة؟!

اقولها بصوت حازم مشعرا إياهم أن لدي خطة ماكرة وأعرف جيدا ما أفعل : "اشتريت عدن" .. يبتسم صاحبي الذي يحوم حول "القاهرة" سخرية من هذا القرار بينما أتظاهر أنا بعد النقود التي بحوزتي، فأخرج أوراقا خضراء وصفراء وحمراء وأتظاهر ببعض الحسابات لاطمأن الي وجود كفاية من المال بحوزتي بعدها ..

أتسلم من البنك كارت حيازة ملكية "عدن" وأضمه مع كارت "بني غازي" وأقول إمعانا في التغطية علي خطتي الهزيلة، كده ينقصني "البحرين" لأنغص حياتكم بالكامل. يبتسم صديقي الماكر ثانية فهو يعلم جيدا أن الاسثتمار في هذه الزاوية من اللعبة عبث وغير ذي جدوي. كلنا يعلم أن المهم من يملك "القاهرة" و"دمشق"، ولا يستطيع منافسته إلا من حاز "بغداد" و"الرياض" ..

اللعبة تزداد سخونة وقد توقفت لان مصيبة كبيرة حدثت اذ اكتشفنا سرقة مال من عهدة البنك بينما كان "البنك" في الحمام -وقتها لم يكن يقطع اللعبة إلا الضرورات القصوي كنداء أمهاتنا علينا لنتانول الطعام أو لشراء أحد احتياجات المنزل أو نداء الطبيعة الأم الذي لا يمكننا تجاهله ..

صدمة لدي الجميع، بيننا خائن للأمانة، أتمني في أعماقي أن يكون هذا الذي يحوم حول "القاهرة" ليطرد من اللعبة فالباقين أمرهم سهل.. ببعض الحسابات السريعة ومراجعة النقود التي مع كل لاعب عرفنا السارق بسهولة وللأسف كان أضعف المنافسين، ولا يملك من المدن إلا أقلها تأثيرا "تونس" و"صنعاء" و"الأقصر"، يأخذ الجميع قرارا حاسما بطرده واعادة امواله وممتلكاته جميعا للبنك ..

يغضب زميلنا ويقسم أننا جميعا غشاشون مخادعون، ويلقي بأوراقه الملونة علي الارض ويمضي باكيا وهو يقسم أغلظ الأيمان أنه لن يلعب معنا ثانية أبدا..

أربعون عاما مرت علي ذكري هذه المباراة، التي جمعتني يوما مع اخوتي وبعض أصدقاء الطفولة، ذكرني إياها وقوع "بنك الحظ" بين يدي اليوم بينما افتش في أشياء قديمة .. الغريب أن خليطا من المشاعر عاودني وأنا أطالع ساحة السباق وأسترجع أسماء المدن في اللعبة، مشاعر هي مزيج من الحماسة والترقب والقلق والاستمتاع والخوف والتي كانت تزداد مع زيادة انهماكنا في اللعبة عاودتني كلها بشكل عجيب ..

كنا نضحك ونصرخ ونبكي ونخطط ونتشاجر ونحلم ونحبط كل ذلك في وقت واحد .. وكنا كثيرا ما نلقي تقريع الكبار إذا تجاوزت مشاعرنا الحدود المسموحة فوصل الأمر إلي الشجار أو التلاسن والبكاء، فيقرعونا ويعيدون علينا نفس الدرس:إنها مجرد لعبة .. ونحن ننظر اليهم متعجبين كيف يقولون ذلك وأحدنا فقد "الدار البيضاء" لتوه والآخر قاده حظه العثر إلي السجن مرات متتابعة وأنا كنت علي وشك الافلاس لتوي ..

الغريب أنني الآن أشعر أن لعبة الطفولة لم تنته إذ كبرنا، وأن وجه الاختلاف الوحيد أننا صرنا نلعبها بشكل آخر لكن بنفس درجة جدية الطفولة ..

سياراتنا البلاستيكية تطورت واصبحت سيارات حقيقية .. والاوراق الملونة التي تمثل اموال اللعبة والتي كانت تسعدنا وتبكينا وتشعرنا أن الحياة كلها بين أيادينا إذا حزناها وأن مصيبتنا هي المصيبة العظمي إذا فقدناها استبدلناها باوراق اخري أكبر حجما وتدور الحياة كلها في فلكها .. والممتلكات من مدن وأسواق وفنادق -استراحات- وجراجات هي نفسها الأصول التي نفني أعمارنا ونجوب الأرض شرقا وغربا ركضا ورائها ..

الحقيقة بلا رتوش هي أننا لا زلنا نلعب اللعبة، وننغمس فيها بكليتنا حتي حسبناها حقيقة، وحسبنا أننا بصدق نتملك أشياء .. وحسبنا بصدق أن تلك الأوراق الملونة الممهورة بتوقيع محافظ البنك المركزي يمكن أن تسعدنا وتشقينا .. وأن امتلاك ناصية في أحد العواصم لهو المكتسب الأعظم الذي نشقي أنفسنا لاكتسابه وينبغي أن نحافظ عليه ما بقينا ..

والحقيقة بلا رتوش أن كل ذلك سراب، المكاسب والمخاوف والأحلام والأحقاد كلها لمن أبصر الحقيقة جزء من سباق هو في النهاية لعبة ..

ما أسعده هذا الذي مزق الغمامة علي عينيه فرأي الحياة علي حقيقتها .. وما أسعده هذا الذي أدرك أنه لا ينتمي إلي هنا .. وما أسعده هذا الذى لم يتخذ الوهم رفيقا له في رحلته .. وما أسعده هذا الذي لم يضع قلبه في أي منازل الدنيا ، وأخذ منها ما يحتاجه المرتحل في رحلته .. وما أسعده هذا الذي رأي المعني وراء الصورة، والوجه وراء القناع .. وما أسعده هذا الذي عثر علي الجمال في متاهات روحه واهتدي إليه .. وما أسعده هذا الذي استيقظ فاستعد قبل الرحيل ..

كما يقول الرومي :
من جمال الحياة أن الله يبعث في طريقك ما يوقظك بين الحين والآخر ، أنت الذي ظننت لوقت طويل أنك مستيقظ.

© ٢٠٢٦ - جميع الحقوق محفوظة لـ د. أيمن السكري

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

Rejoining the server...

Rejoin failed... trying again in seconds.

Failed to rejoin.
Please retry or reload the page.

The session has been paused by the server.

Failed to resume the session.
Please retry or reload the page.