نظام التفاهة — أيمن السكري
سياحة في كتاب

نظام التفاهة

5 دقائق قراءة
نظام التفاهة
نظام التفاهة - آلان دونو

نظام التفاهة

قراءة في الفكرة المحورية للكاتب الكندي آلان دونو

"تمت المهمة بنجاح، وسيطر التافهون علي مفاصل الحياة"

هذه هي الفكرة المحورية التي يطرحها الكاتب الكندي آلان دونو أستاذ الفلسفة بجامعة كيبيك في كتابه الأشهر المثير "نظام التفاهة" حيث يرصد فيه ويحلل مظاهر وآثار هذه الظاهرة الغريبة. ظاهرة التفاهة التي يعنيها الكاتب لم تعد بريئة عفوية بل صارت تمثل نظاما متكاملا له منهجية واضحة في الانتشار والتوغل بحيث صار يشكل تهديدا خطيرا للحضارة البشرية وللكوكب كله.

علي الهامش: مهرجان وداع يا دنيا لحمو بيكا تجاوز ٢٤٠ مليون مشاهدة علي اليوتيوب ... بينما تراث أم كلثوم الغنائي وتاريخها كله لا يصل لنصف هذا الرقم علي اليوتيوب. قاعدة عامة ضعها في اعتبارك بخصوص نظام التفاهة: تتغير ذائقة الناس بشأن الجمال والجودة والعمق والقيمة تدريجيا حتي يصبح من يقدرون هذه الأمور ويتذوقونها قلة شاذة في وسط المجموع التافه.

لا تدري متي بدأ الأمر .. لكن بيكا لا يتواجد في الغناء فحسب وإنما تكاثر وانتشر وأصبح أشبه باخطبوط ينشر أذرعه الكثيرة علي كافة المجالات... "سيارة المهرجين نزلت ساحة المدينة وأخذوا يعيثون فسادا في كل شوارعها". ستجده ماثلا في مجال الأفكار والفلسفات والبحث العلمي والثقافة والاعلام الفن والغناء والترفيه والأعمال والتواصل الاجتماعي وحتي في مجال الخطاب الديني حيث تزايدت الأساطير الجوفاء والأفكار المغرقة في الخيال أكثر من الأفكار ذات النفع المتعدي والسلوكيات العملية المستندة علي القيم، وفي مجال السياسة ستجد نسخة منه تجلس عليي أعلي كرسي سلطة في العالم مرة علي شكل ترامب ومرات علي أشكال أخري.

في كل المجالات، ستصدم حينما تجد بيكا هناك بنفس الهيئة والطبيعة والملامح، يقود بكل حماس القطار ناحية وجهة مجهولة .. مشكلة تيار التفاهة أنه مستمر بلا توقف في تدنيس العقل بشكل دائم من خلال عادة الاهتمام بأشياء تافهة .. الإعلام التافه أو "التابلويد" الذي يمطرك بتفاصيل تفاصيل أسباب طلاق الفنانة شيرين لعدة أسابيع ثم أسابيع أخري لتفاصيل صلحها مع زوجها ثانية، مع سيل لا ينتهي من القصص المثيرة وشائعات المشاهير ونجوم الرياضة مثل معجون أسنان محمد رمضان، وعملية تجميل ذقن تامر حسني، ومقصد سمية الخشاب من الصورة التي علقت عليها تعليقا غامضا علي صفحتها؟ ووجهات النظر المغرقة في التطرف والشذوذ مثل العريس الذي ضرب زوجته وعشرات اللقاءات التلفزيونية مع العريس والعروس وحوارات لا يرتجي منها نفعا بقدر بصلة.

استوديوهات التحليل الكروي، تظل تدرس المباراة وتعيد تمريرة "رابونا" السولية عشرات المرات ومن كل الزوايا ليحللوها ويعطوا الدروس المستفادة منها. قل لي بالله عليك، لماذا يحصل لاعب كرة قدم على عائد مالي يفوق العائد المالي لكل علماء الفيزياء والكيمياء الحاصلين على نوبل منذ تأسيسها؟ ولماذا يحصل لاعب كرة -علي حبي له- علي ١٦ مليون جنيه نظير ساعة يحدثنا فيها عن الطعام الذي يحبه وكيف كان يجري ليلحق بالقطار المزدحم ليلحقق بتمرين فريقه.

ومئات البوستات علي منصات التواصل الاجتماعي، ولقاءات تليفزيونية بالساعات مع "أبو جبل" ليحدثنا بفخر عن الزجاجة المذهلة التي رسم عليها توقعات زوايا التسديد لكل لاعب.. فليصمت علماء البيانات Data Scientists إلي الأبد وليلقوا بخوارزميات الذكاء الاصطناعي المزعجة التي ارهقوا انفسهم في تطويرها إلي الجحيم وليجلسوا ليتعلموا علوم البيانات كما ينبغي من هذه الزجاجة المذهلة. ما القيمة وراء اغراقنا بكل هذا القدر من التفاصيل بحيث نعاني من متلازمة الإرهاق المعلوماتي Information Fatigue Syndrome بأشياء لا تضيف لنا أي قيمة .. وفي حياتنا عشرات الأشياء أولي بالاهتمام.

في المجال الأكاديمي: صار الاهتمام أن تبدو أهم الآن من أن تكون، العلم صار أداة لخدمة المظهر الاجتماعي وحرف ال "د" الذي يسبق اسمك صار يدفع فيه أموال طائلة لزوم الوجاهة الاجتماعية، والبحث العلمي صار ساحة للاستعراض والتحليق في تفاصيل كثيرة قد لا يكون لها أي مردود علي البحث العلمي، اعادة تدوير أفكار مستهلكة بعبارات جديدة، وهكذا آلة البحث العلمي الوهمي لا تتوقف عن العمل الذي لن يضيف للبشرية قيمة.

في مجال الثقافة : تبرز التفاهة بعدة أشكال أبرزها سيطرة "اللغة الخشبية" ويقصد باللغة الخشبية .. اللغة الميتة .. المتكلفة المتقعرة الجوفاء .. المعتمدة علي الحشو والتأكيدات والترادفات اللفظية ... مع الإغراق في الغموض والتذاكي. فتجد نفسك أحيانا أمام جملة تخبرك عن الذين يستخدمون في درزينتهم التفاهمية مفاهيم دمياجوجية باثوثية لا تناسب متداركات الأفعال ...... الخ، بحيث أنها في النهاية لا تقدم نفعا يذكر لمن يتلقاها، وعلي حد تعبير المؤلف : يكدرون مياههم كي تبدو عميقة" ولا يكتشف خواؤهم.

اللغة الخشبية تشبه كثيرا لغة النيوسبيك Newspeak التي اخترعها جورج اورويل في روايته ؛١٩٨٤" والتي تمتلئ بالاستعارات والكلمات الطنانة والشعارات المتذاكية الغامضة مثل : الحرب هي السلام، الحرية هي العبودية، الجهل هو قوة والتي في النهاية لا تعني شيئا. الروايات التافهة واللغة الركيكة والترهات التي تنسب زورا للتنمية البشرية، تنتشر على حساب الكتب ذات الطراز الرفيع، وذات الأفكار النافعة .. لم يعد في الأدب الآن ديستويفسكي ولا تيلستوي وعلي المستوي العربي لم يعد لدينا طه حسين والعقاد والرافعي ونجيب محفوظ ويحيي حقي وجبران ومي زيادة.

في أحد معارض الكتاب، قابلت زحاما شديدا أمام أحد الدور، ولما اقتربت وجدت شبابا وبنات في سن متقارب -نحو العشرين- يلتفون بحماس حول شخص ما لم أره من قبل، والسعيد فيهم من تمكن من التقاط صورة تذكارية له أو حظي بمصافحته. سألت أحد الشباب من هذا؟ فرد مستغربا: إنه فلان ... وسكت .. وكأن اسمه وحده علما ينبغي علي الجميع معرفته، أردت أن أسأله فلان من ؟ كاتب، مطرب، ممثل، روائي .. قلت أسأل عم الشيخ جوجل لأعرف منه قبل أن يحسبني هذا الشاب متخلفا لأني لا أعرف هذا الشاب العلم... علمت أن هذا الشاب "يوتيوبر" شهير .. له ملايين المتابعين.

وقفت علي جنب وأخذت أتصفح بعض حلقاته ومقالاته وتعليقاته .. لأجد نفسي أمام تافه كبير ركيك اللغة ضحل المحتوي غزير الانتاج وله متابعون يزيدون عن عدد من قرأ للعقاد منذ ولد وحتي يومنا هذا. لكن السؤال كيف لمثل هذا الشخص عديم الموهبة هذه الجماهيرية الكبيرة والشعبيّة الطاغية لا يفارق ذهني.. عادي، في حشد مشابه اجتمع عشرات الآلاف من الشباب ودفعوا تذاكر بارقام لكية وهم في قمة سعادتهم ومتعتهم وهم يرددون ما ويجز في جنون وجاي في ايدي الرضعة علشان اغدي النونة.

الأشخاص كما يصنفهم الكاتب أمام التفاهة إلي:

١. تافهون بالفطرة: هم لا يبذلون جهدا ليمارسوا هذه الحياة التافهة المبتذلة فهم مولودون تافهون مجردون من أي قيمة. ٢. التافهون عن عمد: "الباحثون بقصد عن الحياة التافهة" ليسايروا التوجه العام وربما ليجدوا لأنفسهم مكانا فيه. (كالمثال بفيلم الكيف) ٣. التافهون بالاكراه: "تيار التفاهة الجارف كان أقوي منهم"، لم يرغبوا أن ينجرفوا في هذا العالم لكن واحدة بواحدة انجرفوا مع تيار التفاهة. ٤. المقاومون للتفاهة: الصامدون .. السابحون ضد التيار .. غرباء هذا الزمان .. المختلفون عن عموم القطيع .. الذين يعيشون لقيمة عليا.

وينهي الكاتب كتابه بفكرته: البشرية الآن متعطشة لقيمة حقيقية ... تحل محل هذه القيم التافهة التي تسود وتنتشر كالسرطان في كافة المجالات ... لكن أصدقكم القول، وحتي تنتهي هذه المرحلة، لن تجدوا دعما يمكنه أن يحميكم من عذابات الاحتكاك اليومي مع التافهين وضيقي الأفق .. لكن عليكم أن تثبتوا وتحافظوا علي عقولكم وقيمكم ... أنتم فدائيون. لم يبارح تفكيري طوال قراءتي لهذا الكتاب حديث النبي صلوات ربي عليه:

سيأتِي على الناسِ سنواتٌ خدّاعاتٌ؛
يُصدَّقُ فيها الكاذِبُ، ويُكذَّبُ فيها الصادِقُ،
ويُؤتَمَنُ فيها الخائِنُ، ويخَوَّنُ فيها الأمينُ،
وينطِقُ فيها الرُّويْبِضَةُ.
قِيلَ : وما الرُّويْبِضةُ ؟
قال : الرجُلُ التّافِهُ يتَكلَّمُ في أمرِ العامةِ ..
(صحيح الجامع)

© 2026 - مقتطفات مراجعة كتاب نظام التفاهة

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

Rejoining the server...

Rejoin failed... trying again in seconds.

Failed to rejoin.
Please retry or reload the page.

The session has been paused by the server.

Failed to resume the session.
Please retry or reload the page.